
صاحب النفوذ تجاهل كل النساء الجميلات… إلى أن أوقفه صوت عاملة نظافة بسيطة
كانت رائحة عطور يتجاوز ثمنها مئات الآلاف من الجنيهات تختلط برائحة اليأس الواضحة التي التصقت بكل امرأة قُدمت أمام أدهم الشافعي.
جئن مرتديات أفخم الفساتين الحريرية، وضحكاتهن محفوظة، وابتساماتهن مصطنعة. أما أدهم، الرجل الذي كانت كلمته تُسيطر على الميناء، وكبار رجال الأعمال، ونفوذ المدينة كله، فقد صرفهن جميعًا، بينما كان يغرق أكثر في مللٍ لا يُحتمل.
ثم، في صباح ثلاثاء عادي، اختفى كل الضجيج.
تسلل صوت من ممرات الجناح الشرقي للقصر.
كان صوتًا بسيطًا، خاليًا من التصنع، مثقلًا بحزن لا يمكن شراؤه بالمال ولا تقليده.
ولأول مرة منذ عشر سنوات…
توقف أدهم عن السير.
—
كان الثلج داخل كأس الويسكي قد ذاب منذ عشرين دقيقة.
ومع ذلك، لم يشرب منه رشفة واحدة.
ظل يمسك الكأس الزجاجي ويترك قطرات الماء الباردة تخدر أصابعه، بينما ينظر من الشرفة إلى قاعة الاحتفال.
اليوم كان عيد ميلاده الخامس والثلاثين.
ورأت العائلة أن المناسبة تستحق احتفالًا أسطوريًا.
امتلأ قصر الشافعي، المبني فوق تلة تطل على البحر، بما يقارب خمسمائة شخص… نصفهم كان سيغضب منه لو ظن أنه سينجو بعد ذلك.
لكنهم بدلًا من ذلك…
شربوا من مشروباته، وقدموا له النساء.
قال طارق، الرجل الثاني في الكيان، وهو يستند إلى الدرابزين الخشبي:
“دي أمها من عيلة أرستقراطية قديمة… متعلمة في سويسرا، وبتتكلم أربع لغات. عندها أربعة وعشرين سنة، ومن ساعة ما دخلت وهي مش شايلة عينها من عليك.”
نظر أدهم إلى الأسفل.
كانت تقف بجوار نافورة الثلج، ترتدي فستانًا أحمر مكشوف الظهر، يقف بدقة وكأنه مفصل على جسدها.
وحين لاحظت أنه ينظر إليها…
ابتسمت ببطء، ثم خفضت رأسها لتنظر إليه من أسفل رموشها.
إغراء محسوب.
حركة تدربت عليها كثيرًا.
لكن…
أدهم لم يشعر بأي شيء.
قال بهدوء:
“قول لها تروح.”
فرك طارق جبهته بضيق.
“إنت بتهزر؟ دي رابع واحدة الليلة. قبلها بنت رجل أعمال كبير، وبعدها موديل إيطالية… ودلوقتي بنت من عيلة أرستقراطية.”
“إنت مستني تلاقي مين؟ ولية صالحة؟ ولا شهيدة؟ النوع ده مش موجود وسط الناس اللي حوالينا.”
رد أدهم بصوته الخشن الذي كان يكفي لإسكات أخطر الرجال:
“أنا بدور على واحدة… مش صفقة.”
ووضع كأس الويسكي فوق صينية أحد النادلين.
ثم أكمل:
“أنا لما ببص لها… بشوف عقد اتفاق. هي عايزة اسم الشافعي يحميها، وأبوها عايز يشتغل مع موانينا.”
ابتسم بسخرية.
“ولو كنت عايز أتفاوض… كنت دخلت قاعة اجتماعات، مش أوضة نوم.”
هز طارق كتفيه.
“إنت صاحب أكبر كيان في البلد… كل حاجة بالنسبة لك صفقة.”
ثم أضاف:
“الناس العادية كمان بتتجوز علشان مصلحة… الفرق إنك إنت مش بتضحك على نفسك.”
فتح أدهم سترته قليلًا.
قاعة الحفل كانت تخنقه.
روائح العطور الفاخرة، والبط المشوي، والسيجار…
كلها اختلطت في الهواء حتى أصبح خانقًا.
وكانت بالنسبة له…
رائحة الجشع.
كرهها.
خلال عشر سنوات، بنى إمبراطوريته من الجهد والخرسانة.
ورث كيانًا ينهار بعد غياب والده…
وحوله إلى حصن لا يستطيع أحد الاقتراب منه.
امتلك المال.
وامتلك النفوذ.
لكن كلما صعد أكثر…
أصبح العالم حوله أكثر فراغًا.
كل حديث تحول إلى مصالح.
كل ابتسامة تخفي كذبة.
وأجمل النساء اللواتي يستطيع المال شراءهن…
أصبحن بالنسبة له متشابهات.
دمى ترتدي ماركات عالمية.
قال:
“أنا رايح المكتب.”
اعترض طارق:
“الحفلة معمولة علشانك. رؤساء العائلات الكبيرة تحت… ولو مشيت دلوقتي هيعتبروا ده إهانة.”
رد أدهم ببرود:
“قول لهم عندي صداع.”
“أدهم…”
قاطعه بنبرة حاسمة:
“قلت… عندي صداع.”
لم تكن طلبًا.
رفع طارق يديه مستسلمًا.
“تمام… لكن الست اللي بالفستان الأحمر أنا مش هبلغها. الفستان تمنه أكتر من عربيتي.”
لم يبتسم أدهم.
واستدار وغادر.
—
ابتلعت السجاجيد الفارسية صوت خطواته وهو يسير في الطابق العلوي.
كل ما كان يريده…
هو الهدوء.
وكأس ويسكي رخيص.
وأي مكان بعيد عن حفلة عيد ميلاده.
—
وفي الطابق السفلي…
بعيدًا عن الموسيقى والأضواء…
كانت سارة محمود تجلس على ركبتيها في أحد ممرات الخدمة.
الموسيقى تصلها مكتومة من السقف.
لم تكن تهتم بالحفل.
كل تركيزها كان على أثر حذاء أسود التصق بأسفل الحائط بجوار غرفة الغسيل.
رشّت المزيد من سائل التنظيف.
أحرقت رائحة الكلور والليمون الصناعي أنفها، بينما ظلت تفرك البقعة حتى احمرت مفاصل أصابعها.
كان عمرها ستة وعشرين عامًا.
لكن الهالات السوداء تحت عينيها جعلتها تبدو أكبر.
كانت ترتدي تيشيرتًا رماديًا واسعًا يحمل شعار شركة النظافة، وبنطال عمل أسود باهت، وحذاءً مطاطيًا يصدر صريرًا مع كل خطوة.
أما شعرها البني…
فكان مربوطًا بسرعة بمشبك بلاستيكي مكسور الأسنان.
جلست للخلف ومسحت العرق عن جبينها.
نظرت إلى ساعتها الرقمية الرخيصة.
الساعة…
الحادية عشرة وخمس وأربعون دقيقة.
بقيت خمس عشرة دقيقة فقط على انتهاء الوردية.
بعدها رحلة أتوبيس أربعين دقيقة…
ثم أربع ساعات نوم…
ثم تبدأ عملها الثاني في مطعم شعبي عند السادسة صباحًا.




