
حياة تستنزفها ببطء.
لكنها لم تكن تملك خيارًا.
أخوها الأصغر كريم ارتكب أغبى خطأ في حياته.
استدان مليون جنيه من رجال يتبعون عائلة الشافعي بعدما ظن أنه سيربحها في القمار.
وخلال أشهر قليلة…
تضاعف الدين.
ثم أوقفوا قدرته على العمل مؤقتًا.
ووعدوه أن تكون المرة القادمة أشد.
ذهبت سارة إليهم بنفسها.
لم تبكِ.
ولم تتوسل.
وضعت كل مدخراتها فوق الطاولة.
وقالت إنها ستعمل حتى تسدد باقي الدين.
فضحكوا منها.
لكنهم قبلوا العرض.
ومنذ ذلك اليوم…
كل راتب تحصل عليه يذهب مباشرة لسداد الدين.
ولا يبقى معها سوى إيجار الشقة وثمن كيس مكرونة سريع التحضير.
—
“يا سارة.”
رفعت رأسها.
كانت أم حسن، إحدى عاملات المطبخ، تحمل كيس قمامة كبيرًا.
“لسه بتنضفي؟ سيبي العلامة دي… الباشا عمره ما بينزل هنا.”
أجابت سارة وهي تواصل الفرك:
“لو سيبتها… المشرف هيخصم من مرتبي.”
تنهدت أم حسن.
“إنتِ بتتعبي علشان ناس أصلًا ميعرفوش إنك موجودة.”
ابتسمت سارة بتعب.
“أنا مش فارق معايا يعرفوني.”
ثم قالت وهي تنظر إلى البقعة التي اختفت أخيرًا:
“كل اللي يهمني… أسدد اللي عليا.”
نظرت إليها أم حسن بحزن.
ثم أخرجت منديلًا ملفوفًا.
“جبتلك رغيفين صغيرين من الأكل اللي فوق.”
تجمدت سارة.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
“ربنا يخليكِ.”
“كلي حاجة… إنتِ بقيتي عضم.”
غادرت أم حسن.
أما سارة…
فأكلت الرغيفين الباردين وكأنهما أفخم وجبة في العالم.
كانت مجرد شبح داخل قصر الشافعي.
تنظف آثار من يظنون أنفسهم آلهة…
ولا يلاحظها أحد.
وكان هذا يناسبها.
لأن ملاحظة أدهم الشافعي لها…
لن تعني إلا المتاعب.
دفعت عربة النظافة نحو الجناح الشرقي، حيث كانت الحمامات المغلقة بسبب التجديدات تنتظر التنظيف الأخير.
هناك…
كان الهدوء يبتلع كل شيء.
—
أما أدهم…
فلم يصل إلى مكتبه.
بل تعمد أن يبتعد أكثر عن الحفل.
دخل الجناح الشرقي.
كان الهواء باردًا، وتحمل الجدران رائحة الدهان الجديد ونشارة الخشب.
توقف أمام نافذة كبيرة تطل على البحر.
شعر فجأة أنه أكبر من عمره.
وكأنه آلة ظلت تعمل سنوات طويلة دون أن ترتاح.
أغمض عينيه…
ثم سمع شيئًا.
صوتًا خافتًا.
قادمًا من خلف أحد الأبواب.
تجمد مكانه.
ووضعت يده تلقائيًا على الأداة الصغيرة المخبأة داخل سترته.
تحرك بخطوات صامتة.
وكلما اقترب…
أصبح الصوت أوضح.
لم يكن أحد يتحدث…
بل كانت هناك فتاة…
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا ♥️
كان الصوت… غناءً.
ليس غناءً جميلًا بالمعنى المعتاد.
بل صوتًا مبحوحًا، متعبًا، يخرج بهدوء كأن صاحبته تخشى أن يسمعها أحد.
كانت تدندن وهي تمسح الأرض:
“يا رب… هونها عليّا… أنت وحدك عالم بحالي.”
توقف أدهم مكانه.
لم تكن الكلمات مميزة.
لكن الطريقة التي خرجت بها…
كانت صادقة إلى درجة مؤلمة.
منذ سنوات لم يسمع أحدًا يغني دون أن ينتظر مقابلًا، أو إعجابًا، أو تصفيقًا.
اقترب أكثر.
ومن خلال الباب نصف المفتوح…
رآها.
فتاة بملابس عاملات النظافة، منكفئة على الأرض، تمسك الممسحة بيد، وباليد الأخرى قطعة خبز يابسة تأكل منها بين كل دقيقة وأخرى حتى لا يراها أحد.
لم تكن تعلم أن أخطر رجل في القصر يقف على بعد خطوات منها.
سمعها تتمتم لنفسها وهي تنظر إلى شاشة هاتف قديم متشقق:
“يا رب… النهارده أقدر أدفع القسط قبل ما يروحوا لكريم.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم التعب.
“بس خلّيه يعيش… وأنا أشتغل العمر كله.”
لم يعرف أدهم لماذا…
لكن شيئًا انقبض داخل صدره.
كانت كل النساء في الأسفل يطلبن منه حياة أفضل.
أما هذه…
فكانت تطلب من الله حياة لشخص آخر.
وفي اللحظة نفسها…
اهتز جهاز الاتصال في أذن أحد الحراس.
ظهر خلف أدهم مباشرة وقال بصوت منخفض:
“باشا… القاعة مستنياك.”
أشار إليه أدهم أن يصمت.
لكن الحارس كان قد تكلم بالفعل.
رفعت سارة رأسها بسرعة.
التقت عيناها بعيني الرجل الواقف عند الباب.
لم تعرفه.
كل ما رأته…
رجل طويل ببدلة سوداء فاخرة، ينظر إليها بصمت.
شهقت بخفوت، ثم وقفت مرتبكة ومسحت يديها في مريول العمل.
“آسفة يا فندم… الحمام مقفول خمس دقايق وهخلص.”
لم يرد.
ظل ينظر إليها.
نظرة أربكتها أكثر.
خفضت رأسها وهي تظن أنه أحد الضيوف المهمين.
“والله ما كنتش بقعد… كنت باكل لقمتين بس.”
قال بهدوء:
“اسمك إيه؟”
ترددت.
“سارة.”
“من إمتى بتشتغلي هنا؟”
“سبع شهور.”
أومأ برأسه.
ثم سأل السؤال الذي لم يفهم هو نفسه سبب خروجه:
“ليه كنتِ بتغني؟”
ابتسمت بخجل.
“لأن الشغل بيخلص أسرع لما الواحد يغني.”
ثم أضافت وهي تضحك على نفسها:
“أو يمكن علشان محدش يسمعني وأنا بتكلم مع ربنا.”
لأول مرة منذ سنوات…
شعر أدهم أن أحدًا أجابه دون خوف، ودون مصلحة.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتفه الخاص.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل…
طارق.
رد بضيق.
جاءه الصوت مرتبكًا على غير عادته:
“أدهم… سيب كل حاجة وارجع حالًا.”
ضاقت عيناه.
“خير؟”
ابتلع طارق ريقه ثم قال:
“اكتشفنا إن البنت اللي قدامك دلوقتي… أخوها عليه دين بمليون جنيه عند رجالنا.”
ساد الصمت.
ثم أكمل بصوت أخفض:




