
قارب الساعة كانت بتتحرك بصوت منتظم وتقيل، وكأن كل دقة فيها بتنزل زي المطرقة على دماغ كريم وأهله. المعلم إبراهيم ورجالته مكنوش مضيعين دقيقة واحدة؛ في ظرف نص ساعة كان الأنتريه ملفوف بالبلاستيك ومسحوب للطرقة، وشاشة التلفزيون الستينات بوصة اللي كريم كان بيقعد يتفاخر بيها قدام صحابه نزلت في كرتونتها على ضهر واحد من العمال، والتلاجة الدوبل اتفصلت واتسحبت من المطبخ وهي سايبة وراها بقعة مية وعلامة فراغ على السيراميك ۏجع قلب حماتي أكتر من أي حاجة تانية.
حماتي كانت واقفة ساندة ضهرها على حيطة الصالة، عينيها بتلف في الفراغ اللي عمال يوسع قدامها وهي
مش مصدقة إن الشقة اللي كانت بتخطط تعزم فيها قرايبها وتتباهى بيها بقت بتفضى بالسرعة دي. حاولت في الأول تقف قدام المعلم إبراهيم وتزعق وتقول الحاجة دي مش هتخرج من هنا إلا على چثتي!، بس الراجل بصلها ببرود صعيدي وقالها بكلمتين اتنين يا حاجة احنا ناس بناكل عيش، والورق اللي في إيدي يودّي أي حد يقف في طريقنا في ستين داهية، عيب عليكي سنك ومقامك نقف نجرجر في بعض قدام العمارة كلها.
حمايا شدها من طرحتها وقعدها على كرسي خشب يتيم كان لسه ما اتشالش، وشه كان بهتان زي الأموات، وكل ما يبص لكريم يلاقي ابنه واقف في زاوية كأنه تمثال من تلج، إيديه الاتنين في شعره
وعينيه مبرقة في الأرض، مش مستوعب إزاي خطته اللي كان فاكرها محكمة عشان يرضي أمه ويكسر بيها شوكتي اتقلبت عليه وبقت بتدمر كل حاجة بناها في ست سنين.
قربت من المعلم إبراهيم، فتحت شنطة إيدي وطلعت منها أصول فواتير المعرض بتاع الموبيليا اللي بابا الله يرحمه كان محتفظ بكل مليم فيها، حطيتهم في إيده ووقعتله على وصل الاستلام كاش. الراجل عدّ المبلغ قدامي، وحط في إيدي رزمة فلوس محترمة كان صوت ورقها الجديد كافي إنه يقطع شرايين الطمع اللي في قلوبهم.
بصيت لكريم وابتسمت، الابتسامة اللي بقت ترعبه أكتر من أي زعيق، وقلتله عشان تعرف بس إني ست مدبرة يا كريم…
بدل
ما العفش يتبهدل في النقل، أهو تمنه بقى كاش في إيدي، وفلوسي رجعتلي تالت ومتلت من غير ما أنقص منها تعريفة واحدة.
كريم رفع وشه، ودموعه كانت محپوسة في عينيه من القهرة، نبرة صوته كانت مبحوحة وبتترجى منى… إنتِ ليه بتعملي فيا كده؟ ليه الفضايح دي قدام الناس في الشارع؟ الشارع كله عمال يتفرج على العفش وهو نازل، والكل بيسأل في إيه بيحصل في شقة كريم ومنى! إنتِ مبقتيش باقية على أي حاجة خلاص؟ ست سنين عشرة هانت عليكي في يوم وليلة عشان خاطر شقة؟!
ست سنين هانت عليا أنا؟! صړخت فيها الجملة دي، وصوتي كان فيه ۏجع سنين طويلة كنت ببلع فيها الإهانة وبسكت
عشان المركب تسير. إنت اللي ست سنين هانت عليك في ثانية واحدة لما وقفت الصبح تقولي بكل وقاحة أنا مش بهزر يا منى، أمي قررت وعايزة البيت ده وأنا هتصرف معاكي! نسيت يوم ما كنت بتلف كعب داير ومش لاقي تدفع مقدم الشقة وبابايا باع حتة الأرض اللي حيلته عشان يسترنا ويكتب البيت باستقراره؟ نسيت يوم ما كنت باخد نص مرتبك تصرفه على كيفك وتسيبني أنا أسدد قسط البنك بالقرش عشان متتحبسش؟! ودلوقتي جاي تعايرني بالعشرة والفضايح؟ الڤضيحة إنت اللي عملتها بإيدك لما دخلت أهلك بيتي من ورايا ينهبوا شقايا!
حماتي رفعت راسها ونطقت بصوت مقهور بس لسه فيه بواقي سم شقاكي
إيه يا أم شقا؟! هو لولا ابني مكنتيش بقيتي ست بيت أصلاً! فاكرة نفسك لما تبيعي العفش وتاخدي الفلوس هتلوي دراعنا؟ أعلى ما في خيلك اركبيه! الشقة أهي قدامنا، حيطانها وسقفها يساعونا، وهنجيب حصير ونفرشه على البلاط وهنقعد فيها، وابني مش هيطلقك ولا هيسيبك تتهني بمليم، هيفضل معلقك كده زي البيت الوقف لحد ما ترجعي تبوسي رجليه وتطلبي السماح!
بصيت للساعة اللي في إيدي للمرة المية… كانت الساعة اتنين إلا عشر دقائق.
قعدت على حافة الشباك الكبير بتاع الصالة، وبصيت لتحت في الشارع. كان في عربية سودا فخمة بتركن تحت العمارة، ونزل منها راجل ببدلة كحلي ومعاه
اتنين




