
أول ما فتحت عيني بعد العملية كنت حاسة إن كله متكسر وإن في حاجة تقيلة على بطني وكل نفس باخده كان بيوجعني. حاولت أتحرك لكن الممرضة قربت مني بسرعة وقالتلي
“بالراحة يا مدام نهى لسه خارجة من عملية كبيرة وممنوع تتحركي دلوقتي”
بصيتلها وسألتها بصوت ضعيف
“هو أنا عملت العملية؟”
ابتسمت وقالتلي
“الحمد لله العملية نجحت والدكتور قال إنك عدّيتي مرحلة بس كان عندك شديد والحمد لله لحقناكي في الوقت المناسب”
غمضت عيني ودموعي نزلت من غير ما أحس. مش عارفة كنت بعيط من الوجع ولا من إحساسي إني كنت ممكن ومحدش من أقرب الناس ليا كان جنبي.
بعد شوية سألتها
“هو جوزي جه؟”
الممرضة بصتلي باستغراب وقالت
“جوزك؟ لأ يا مدام محدش جه من طرفه طول الليل”
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت
“طب محدش سأل عليا؟”
قبل ما ترد سمعت صوت راجل من ورايا بيقول
“في حد سأل عليكي يا مدام نهى بس مش من الناس اللي كنتِ مستنياهم”
لفيت وشي بالعافية ناحية الصوت ولقيت راجل في أواخر الأربعينات واقف عند باب الأوضة ولابس بدلة رسمية وماسك ملف بني في إيده.
الممرضة قالتله
“حضرتك مين؟”
رد بهدوء
“أنا الأستاذ شريف المحامي وكنت شغال مع والد مدام نهى الله يرحمه”
اتصدمت أول ما سمعت اسم أبويا.
أبويا متوفي من خمس سنين ومكنتش أعرف إن في حد من معارفه لسه بيتابع أخباري.
قرب شريف من السرير وقال
“حمد لله على سلامتك يا مدام نهى أنا عرفت اللي حصل من المستشفى بالصدفة لما اتصلوا بالرقم القديم اللي كان مسجله والدك للطوارئ”
سألته باستغراب
“بس إنت عرفت رقمي منين؟”
فتح الملف اللي في إيده وطلع منه ورقة وقال
“والدك قبل وفاته كان سايب عندي تعليمات تخصك وقاللي أسلمك الورق ده في الوقت المناسب”
بصيتله وأنا مش فاهمة وقلت
“أي ورق؟”
رد وهو بيبصلي بجدية
“والدك كان عامل حسابه إن ممكن في يوم تتعرضي لظلم أو تلاقي نفسك لوحدك من غير سند وطلب مني ما أفتحش الملف ده غير لما أتأكد إنك بقيتي في موقف محتاجة فيه تعرفي الحقيقة”
حسيت بدقات قلبي بتزيد وسألته
“حقيقة إيه؟”
طلع ورقة تانية وحطها على الترابيزة اللي جنب السرير وقال
“والدك قبل وفاته اشترى ليكي شقة باسمك بالكامل وكمان كان سايبلك مبلغ كبير في حساب بنكي منفصل عن أي حسابات تانية”
بصيتله بصدمة وقلت
“إزاي؟ أنا كنت فاكرة إن كل اللي سابهولي أبويا كان نصيبي في البيت القديم”
ابتسم وقال
“ده اللي كان المفروض تعرفيه وقتها لكن والدك كان عنده سبب يخليه يأجل تسليم الأوراق دي ليكي”
سكت لحظة وبعدين كمل
“والسبب كان إنه شاكك إن جوزك مش بيتعامل معاكي بحسن نية”
حسيت ببرودة غريبة في جسمي.
كريم كان عارف إن أبويا كان مرتاح ماديا وكان دايما بيسألني عن الورث وعن الفلوس اللي ممكن تكون سابها لي.
لكن عمري ما تخيلت إن أبويا كان شايف حاجة أنا مش شايفاها.
سألته بصوت مهزوز
“هو بابا كان يعرف حاجة عن كريم؟”
شريف فتح الملف وطلع مجموعة صور وأوراق وحطهم قدامي.
قال
“والدك قبل وفاته بفترة طلب مني أراجع بعض المعاملات المالية اللي كانت بتحصل باسمك ولقينا تحويلات مالية من حسابك لحسابات مختلفة مرتبطة بجوزك وأهله”
فضلت أبص للأوراق واحدة واحدة وأنا مش مصدقة.
لقيت تحويلات بمبالغ كبيرة كنت فاكرة إني بصرفها على احتياجات البيت ومصاريف العلاج ومساعدة حماتي.
لكن اللي صدمني أكتر إن في تحويلات كانت بتتم من غير علمي.
رفعت عيني وسألته
“يعني إيه؟ مين كان بيحول الفلوس دي؟”
رد شريف
“لسه بنتأكد من كل التفاصيل لكن في مستندات بتوضح إن في حد كان بيستخدم بياناتك البنكية من غير إذنك”
حسيت إن نفسي اتقطع.
في اللحظة دي تليفوني رن وكان اسم كريم ظاهر على الشاشة.
بصيت لشريف وبعدين للموبايل ورديت.
أول ما سمع صوتي قال بعصبية
“إنتِ فين يا نهى؟ أنا بكلمك من امبارح ومش بتردي!”
بصيت للموبايل بعدم تصديق وقلتله
“إنت بتكلمني بجد؟”
رد بسرعة
“أيوه طبعا هو إنتِ فاكرة إني مش قلقان عليكي؟ أنا كنت مشغول مع أمي ومكنتش عارف أتصرف إزاي”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع وقلتله
“غريبة أوي يا كريم إنك مكنتش عارف تتصرف وإنت كنت عارف إني ممكن أموت”
اتنهد وقال
“يا نهى بلاش نكبر الموضوع أنا كنت فاكر إنك بتبالغي زي كل مرة وبعدين إنتِ كويسة أهو”
سألته بهدوء
“إنت عرفت منين إني كويسة؟”
سكت ثواني وبعدين قال
“يعني أكيد المستشفى طمنتك”
قلتله
“لأ يا كريم محدش من المستشفى كلمك أنا اللي بكلمك دلوقتي”
بدأ صوته يتغير وقال
“طب خلاص أنا هحاول أرجع النهارده وأجيلك”
قبل ما أرد سمعت صوت حماتي في الخلفية وهي بتقوله
“اسألها الأول هتحتاج فلوس قد إيه وخليها تبعتلنا تمن حجز الفندق عشان مانخسرش العربون”
الكلام وصل لودني بوضوح.
كريم حاول يوطي صوته لكن كان خلاص فات الأوان.
قلتله
“متتعبش نفسك يا كريم أنا مش محتاجة منك حاجة”
قال باستغراب
“يعني إيه؟”
بصيت للأوراق اللي قدامي وقلتله
“يعني من النهارده كل واحد فينا هيتصرف في حياته لوحده”
صرخ في التليفون
“إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟”
قفلت المكالمة من غير ما أرد.
شريف كان واقف ساكت مستنيني أتكلم.
بصيتله وقلت
“أنا عايزة أعرف كل حاجة يا أستاذ شريف ومش عايزة تسيب تفصيلة واحدة من غير ما تكشفها”
هز راسه وقال
“هتعرفي كل حاجة لكن لازم تستريحي الأول”
لكن قبل ما يكمل كلامه جاله اتصال على تليفونه.
رد وسمع الطرف التاني شوية وملامحه اتغيرت فجأة.
قال بقلق
“إنت متأكد من الكلام ده؟”
سكت لحظة وبعدين بصلي وقال
“مدام نهى في مشكلة كبيرة ظهرت دلوقتي”
حسيت بقلبي بيقبض وسألته
“مشكلة إيه؟”
قفل المكالمة وفتح الملف بسرعة وطلع ورقة عليها توقيع باسمي.
حطها قدامي وقال
“الورقة دي بتثبت إنك وافقتي على ضمان قرض بمبلغ كبير جدا لصالح شركة جوزك”
بصيت للتوقيع وأنا مصدومة.
كان توقيعي فعلا.
لكن أنا عمري ما وقعت على الورقة دي.
رفعت عيني لشريف وسألته
“يعني إيه؟ هو كريم استغل اسمي في قرض؟”
رد بجدية
“الموضوع أكبر من كده يا نهى لأن البنك بيطالبك بالمبلغ بالكامل ولو الورقة دي سليمة قانونيا ممكن تخسري جزء كبير من ممتلكاتك”
حسيت إن الدنيا بتضيق حواليا.
لكن شريف قرب مني وقال جملة خلتني أنسى وجع العملية كله.
“والأخطر إننا لقينا مستند تاني بيقول إن جوزك كان بيجهز يبيع الشقة اللي إنتِ عايشة فيها من غير علمك”
فضلت ساكتة وأنا ببصله.
وبعدين سألته بصوت بالكاد مسموع
“هو كريم كان مخطط لكل ده من إمتى؟”
شريف فتح الملف على آخر ورقة وقال
“من قبل جوازكم يا مدام نهى وفي دليل واضح على كده”
وفي اللحظة دي وصلني إشعار برسالة جديدة على التليفون من رقم غريب.
فتحتها ولقيت فيها صورة لكريم قاعد مع شخص تاني قدام مكتب محاماة وتحت الصورة جملة واحدة بس.
“لو عايزة تعرفي جوزك كان بيخطط لإيه من أول يوم في جوازكم اسألي عن الست اللي كان متجوزها قبلك”
اتجمدت مكاني.
لأن كريم طول عمره كان بيأكدلي إنه عمره ما اتجوز قبل كده.
لكن الرسالة اللي وصلتني كان معاها اسم وعنوان وموعد.
والأغرب إن الست دي كانت عايزة تقابلني في نفس اليوم اللي كريم قرر يرجع فيه من السفر.
فضلت ماسكة التليفون وبعيد قراءة الرسالة أكتر من مرة وأنا مش قادرة أستوعب اللي مكتوب فيها.
كريم كان متجوز قبلي؟
يعني إيه؟ وإزاي قدر يعيش معايا أكتر من تلات سنين ويقنعني إنه أول مرة يدخل عش الزوجية؟
بصيت للأستاذ شريف ووريته الرسالة.
أول ما قرأها اتغيرت ملامحه وقال بهدوء
“كنت متوقع إن الموضوع أكبر من مجرد استغلال مادي لكن مكنتش متخيل إننا نوصل للنقطة دي”
سألته بلهفة
“إنت تعرف حاجة عن جواز سابق لكريم؟”
هز راسه وقال
“مفيش معلومات مؤكدة لحد دلوقتي لكن الرسالة دي ممكن تكون مفتاح لحاجات كتير”
قلتله وأنا بحاول أتحرك
“أنا عايزة أقابل الست دي”
اعترض فورا
“إنتِ لسه خارجة من عملية يا مدام نهى ومينفعش تتحركي دلوقتي”
قلت بإصرار
“أنا مش هتحرك من المستشفى لكن عايزاك تتصل بيها وتيجي هنا أنا لازم أعرف الحقيقة”
شريف وافق واتصل بالرقم الموجود في الرسالة.
بعد مكالمة قصيرة قاللي إن الست وافقت تيجي بعد ساعتين.
الساعتين دول كانوا أطول ساعتين في حياتي.
كل شوية أبص للباب وأتخيل مين الست دي وإيه اللي ممكن تقولهولي.
لحد ما الباب اتفتح ودخلت ست في أوائل الأربعينات لابسة عباية بسيطة ووشها باين عليه التعب.
كانت ماسكة شنطة صغيرة وبتبصلي بتردد.
قربت من السرير وقالت
“إنتِ نهى؟”
هزيت راسي.
سحبت كرسي وقعدت قدامي وقالت بصوت مخنوق
“أنا اسمي منال وكنت مرات كريم قبل ما يتجوزك”
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
سألتها
“يعني إنتِ كنتِ متجوزاه بجد؟”
ابتسمت بمرارة وقالت
“اتجوزته خمس سنين يا نهى وخمس سنين من عمري ضاعوا وأنا فاكرة إني متجوزة راجل بيحبني”
سكتت شوية وبعدين كملت
“كريم كان بيظهر قدام الناس إنه راجل محترم وابن ناس لكن الحقيقة إنه كان بيحب الفلوس أكتر من أي حاجة تانية”
سألتها
“طب إنتوا اتطلقتوا ليه؟”
بصت للأرض وقالت
“لما بابا مات وسابلي شقة ومبلغ في البنك بدأ يتغير معايا وفضل يضغط عليا عشان أبيع الشقة وأحط الفلوس في مشروع باسمه ولما رفضت اكتشفت إنه كان واخد قروض باسمي من غير ما أعرف”
بصيت لشريف بسرعة.
منال كملت كلامها
“ولما واجهته أنكر كل حاجة وقال إن التوقيعات مزورة وإنه ملوش علاقة وبعدها اختفى كام يوم ورجع ومعاه أمه وقالولي إني ست مش نافعة وإن الجواز بينا انتهى”
سألتها بصوت مرتعش
“يعني هو كان بيعمل فيكي نفس اللي بيعمله معايا؟”
قالت
“أكتر من كده يا نهى أنا لما بدأت أدور وراه اكتشفت إنه كان مخطط يتجوز واحدة تانية عندها فلوس ويكرر نفس الحكاية”




