
لسكوت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي كان أتقل من جبال الدنيا كلها. صوت دقات الساعة المعلقة على الحيطة فجأة بقى يدب في وداني زي المطارق، تك… تك… تك.
أبويا كان واقف مصلوب، عينيه مبرقة في الفراغ كأنه شاف عفريت طلع له من شقوق البلاط. إيديه الاتنين اللي كانوا من ثانية واحدة بيهزوا في كتف أمي نزلوا جنبه ميتين، ورجليه رجعت ترجع لورا ببطء كأن الأرض بتميد بيه، لحد ما ضهره خبط في ترابيزة الصالون المدهبة والتحف اللي عليها اتهزت وطلعت رنة خفيفة خوّفتنا إحنا التلاتة.
سعاد كانت واقفة ثابتة، الإسدال لافف جسمها النحيل، مفيش فيها أي رعشة، بس
عينيها… عينيها كانت بتحاكمه بنظرة ست شالت همّ بلد على كتافها سنين طويلة وساكتة بمزاجها، مش بضعفها.
أنا كنت واقفة بينهم، ركبي بتخبط في بعض، ودماغي كانت بتغلي بمية ڼار. يعني إيه البنت الغلبانة اللي كانت شغالة في مكتبك؟! يعني إيه اختفت من 28 سنة؟!
قربت من أمي… أو الست اللي عشت عمري كله فاكراها أمي، وصوتي طلع مقهور، مشروخ، طالع من لحم صدري ماما… إنتِ بتقولي إيه؟! سكرتيرة مين وبنت مين؟! ردي عليا يا ماما متسكتيش كده! أنا مالي ومال مكتبه؟! هو إنتِ مش أمي بجد؟! طب وأنا مين؟! أنا جيت الدنيا دي إزاي؟! انطقي بالله عليكي عقلي هيشت مني!
سعاد
بصت لي، وشها اللي كان جامد وصارم قدام أبويا اتكسر فجأة في ثانية لما شافت دموعي. حنان الدنيا كله اللي عشت فيه 28 سنة رجع طفح في عينيها. مدت إيدها بتردد ومسحت دمعة نازلة على خدي بصوابعها الخشنة من غسيل وشغل البيت، وقالت بنبرة حنينة مقطعة إنتِ بنتي يا مريم… بنتي اللي ربيتها على كبر وشيلتها لحم أحمر على إيدي، بنتي اللي كنت بصحى بالليل أتحسس نَفَسها عشان أطمن إنها لسة عايشة… الډم عمره ما عمل أم يا بنتي، التربية والسهر والدموع هي اللي بتعمل، لكن الحقيقة مكتوب لها تبان، ومفيش سر بيفضل مدفون تحت التراب للأبد.
أبويا فجأة طلع منه صوت غريب،
شهقة
مكتومة كأنه بيغرق، ومسك رقبته بياقة قميصه المفتوحة كأنه مش لاقي أكسجين في الشقة، وصړخ بصوت مبحوح متشنج أحلام؟! إنتِ قصدك… أحلام؟! لا… لا مستحيل! أحلام نزلت العيل وماټت بعد العملية… الدكتور أكد لي إنها أجهضت ومستحملتش الڼزيف في المستوصف! إنتِ كدابة يا سعاد! إنتِ بتلعبي بيا عشان تداري على عملتك السودة!
سعاد ضحكت، ضحكة سخرية مرة، طالعة من قاع مرارتها، وقالت له كدابة؟! هو مين فينا اللي عاش عمره كله كدبة يا حاج عثمان؟! مين اللي كان عامل فيها الشريف النزيه، صاحب المبادئ اللي بيبني جوامع وبيوزع صدقات قدام التجار والمقاولين، وفي الضلمة
كان بيستدرج بنت ريفية يتيمة جاية تاكل عيش بالحلال في مكتبه؟! كنت فاكرها هبلة لما صدقت وعودك بالجواز العرفي؟ كنت فاكر إن لما ورطتها ورميت لها قرشين عشان تسقط وتستر على نفسك وعيلتك وسمعتك إن الحكاية خلصت خلاص؟!
الكلام كان بينزل على نافوخي زي مية مغلية. حسام، خطيبي، وشه جه في بالي… كلام أبويا قدامه وهو بيطعن في شرفي، وتشكيكه فيا قدام الغريب والقريب، كل شتيمة اتقالت لي وأنا صغيرة إنتِ شبه مين؟، كل قلم نزل على وشي لما كنت بطلب فلوس للمدرسة، كل كلمة مش متأكد إنك بنتي… كل ده كان عشان الست دي مكانتش خاېن ة! كان عشان هو… هو اللي خ ان،
هو اللي وس خ شرفه بإيده، ورمى شكه وقرفه على مراته وبنته عشان يهرب من شبح جريمته!
مشيت نحوه، مكنتش حاسة بجسمي، كنت طايرة من الڠضب والۏجع. وقفت قدامه وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات. أبويا اللي كان بيهز البيت بصوته وبطوله وعرضه، كان منكمش قدامي زي عيل صغير مقبوض عليه متلبس إنت؟! إنت يا بابا؟! طول عمري وأنا بجلد نفسي… طول عمري وأنا حاسة بالذنب إني جيت الدنيا وخليتك تكره أمي! كنت بقف قدام المراية بالساعات أفتش في ملامحي، أقول ليه شعري ناعم ومش كيرلي زيه؟ ليه عيني عسلية مش بني غامق زي عينيه؟ وكنت بدعي ربنا يغير شكلي عشان بس ترضى عني




