
«إلى ابنتي نادين، إذا اضطرت يومًا للدفاع عن حقها.»
أول ما شفت خطه، حسيت إن عيني دمعت.
مديت إيدي للظرف، وفتحته بحذر.
جواه كانت فيه ورقة واحدة، مكتوبة بخط أبويا.
بدأت أقرأ:
«بنتي نادين،
لو الورقة دي وصلت لإيدك، فمعنى كده إن الظروف خلتك تحتاجي تعرفي بعض الأمور اللي فضلت مخبيها عنك.
أنا عمري ما حبيت أخوفك، ولا كنت عايزك تعيشي طول عمرك شايلة هم الفلوس أو الناس اللي ممكن تطمع فيها.
لكن فيه حقيقة لازم تعرفيها.
قبل وفاتي بسنين، اتعرضت عليّ ترتيبات مالية تخص شركة مقاولات كانت بتتوسع بسرعة. وخلال مراجعة المستندات، لاحظت إن فيه بنود محتاجة تدقيق، وإن بعض الضمانات المقترحة ممكن تسبب مشاكل كبيرة لو اتنفذت من غير موافقات واضحة.
وقتها، طلبت من المستشارين القانونيين يحتفظوا بنسخ من كل المستندات، عشان لو حصل أي خلاف في المستقبل، يبقى فيه دليل يوضح حقوق كل طرف والتزاماته.
ما كنتش عايز أظلم حد، ولا أتهم حد من غير دليل.
كل اللي كنت عايزه إن حقك يفضل محفوظ، وإن أي حد يتعامل مع أصولك يلتزم بالقانون وبالاتفاقات المكتوبة.
افتكري يا نادين، إن القوة الحقيقية مش إنك تقدري تأذي اللي ظلمك، لكن إنك تقدري تحمي نفسك من غير ما تتحولي لشخص ظالم زيه.
أبوكِ، محمود.»
خلصت القراءة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أبويا كان عارف إن ممكن ييجي يوم أحتاج فيه أحمي نفسي.
لكنه ما ذكرش اسم شريف صراحة في الرسالة.
رفعت عيني للأستاذ فؤاد وسألته:
«هل فيه مستندات تانية توضح علاقة شريف بالموضوع؟»
أخرج ورقة من الملف، وقال:
«أيوه. فيه محضر اجتماع قديم، واتفاق تمويل، ومراسلات بين المستشارين الماليين. اسم زوجك موجود في بعض المستندات بصفته ممثلًا عن الشركة في مرحلة من مراحل التفاوض.»
سألته بسرعة:
«يعني هو كان عارف إن فيه أصول تخص أبويا مرتبطة بتمويل شركته؟»
رد بحذر:
«المستندات بتثبت إنه كان طرفًا في بعض الإجراءات، لكنها لوحدها ما تثبتش إنه كان عارف بكل تفاصيل الصندوق أو إنه ارتكب مخالفة. لازم نراجع توقيعاته، وصلاحياته وقتها، وطبيعة الموافقات اللي صدرت.»
الأستاذ حسام أخذ الأوراق وبدأ يراجعها واحدة واحدة.
وبعد حوالي عشر دقايق، رفع راسه وقال:
«فيه نقطة مهمة هنا.»
قربت منه.
«إيه هي؟»
أشار إلى بند في اتفاق التمويل.
«العقد ده فيه شرط واضح بخصوص استمرار صلاحية بعض الضمانات، وفيه إجراء محدد لازم يحصل لو اتغيرت ملكية الأصول أو اتسحبت الموافقات المرتبطة بيها. البنك دلوقتي بيراجع هل الشروط دي لسه متحققة ولا لأ.»
قلت:
«وده معناه إيه بالنسبة لشريف؟»
رد:
«معناه إن الشركة ممكن تحتاج تقدم ضمانات بديلة أو تعيد ترتيب التسهيلات، حسب نتيجة المراجعة. لكن مش هنقدر نقول إن فيه مسؤولية قانونية على شريف قبل ما نراجع كل المستندات.»
سكت لحظات، وبعدها سألني سؤالًا خلاني أفكر من جديد:
«نادين، هل شريف كان يعرف إن والدك عنده صندوق استثماري مستقل عن أموال العيلة؟»
افتكرت كلام شريف في البيت، وطريقته وهو بيتعامل معايا كأني ما عنديش أي مصدر للمال غيره.
قلت:
«هو كان عارف إن أبويا كان رجل أعمال، لكن عمره ما اهتم يسألني عن تفاصيل ممتلكاته. وكان دايمًا بيقول إن فلوس أبويا راحت، وإن حياتي دلوقتي معتمدة عليه.»
الأستاذ حسام بصلي بجدية.
«يبقى لازم نعرف إذا كان فيه مستندات اطلع عليها وقت التعاقد، وإيه اللي كان يعرفه بالفعل. ما نستبقش الأحداث.»
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان شريف.
بصيت للأستاذ حسام، فقال لي:
«ردي لو حابة، لكن خليكي هادية، وما تدخليش في أي اتفاقات مالية قبل ما نراجعها.»
رديت.
«أيوه يا شريف.»
صوته كان متوترًا بشكل واضح.
«إنتِ فين؟»
«في مشوار.»
«مشوار إيه؟ أنا عايزك تيجي الشركة حالًا.»
قلت:
«ليه؟»
صرخ:
«لأن فيه أزمة بسبب الصندوق اللي فعلتيه! البنك بيطلب مستندات، والتسهيلات اتوقفت مؤقتًا، وكل حاجة اتقلبت فوق دماغي!»
رديت بهدوء:
«المراجعة لسه شغالة، والبنك بيطبق الإجراءات الموجودة في العقود.»
قال بعصبية:
«إنتِ مش فاهمة حجم اللي بتعمليه! الشركة فيها موظفين، ومقاولين، ومشروعات، والتزامات بالملايين!»
قلت:
«أنا فاهمة إن فيه موظفين وناس أرزاقها مرتبطة بالشركة، وعشان كده مش عايزة أي قرار يتاخد بعشوائية. لكن برضه مش هتنازل عن حقوقي عشان حضرتك تفضل مسيطر عليا.»
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة أخطر:
«نادين، أنا جوزك. المفروض إنك تقفي جنبي، مش تستغلي الفلوس اللي عندك عشان تضغطيني.»
حسيت بمرارة في قلبي.
«لما كنت واقفة في السوبر ماركت ومش عارفة أشتري لبن بنتك، كنت فين يا شريف؟ لما أمك قالت إني حمل تقيل عليك، ليه ما دافعتش عني؟ ولما قررت تخصصلي مبلغ وأحاسبك على كل زيارة للدكتور، كنت فاكر إنك بتعاملني إزاي؟»
رد بسرعة:
«أنا كنت بحاول أعلمك النظام!»
قلت:
«النظام مش معناه إنك تحرم بنتك من احتياجاتها، ولا إنك تتحكم في مراتك بالفلوس.»
وبعدين أضفت:
«أنا مش هعطل شغلك لمجرد الانتقام. أي مراجعة هتتم وفقًا للقانون والعقود، ولو فيه التزامات لازم تتنفذ، هتتنفذ. لكن مش هسمحلك تستخدم جوازنا عشان تجبرني أتنازل عن حقي.»
سمعته بيتنفس بعنف.
ثم قال:
«إنتِ هتندمي على اللي بتعمليه.»
رديت بثبات:
«أنا ندمت بس على إني سكت كتير.»
وقفلت المكالمة.
الأستاذ حسام بصلي وقال:
«واضح إننا محتاجين نتحرك بسرعة، لكن بحكمة. لازم كل تعامل مالي يتوثق، وأي قرار يخص أصولك يتاخد بعد مراجعة قانونية كاملة.»
هزيت راسي بالموافقة.
كنت لسه بحاول أستوعب رسالة أبويا، لما الأستاذ فؤاد أخرج ورقة أخيرة من الملف.
كانت مختلفة عن باقي الأوراق، وعليها توقيع شريف بصفته ممثلًا عن شركة الشاذلي للمقاولات.
لكن اللي شد انتباهي ما كانش التوقيع نفسه.
كان فيه ملحق للعقد، مؤرخ قبل جوازنا بفترة قصيرة، بيتكلم عن ضمان مالي مرتبط بأحد المشروعات الكبرى للشركة.
وتحت البند الأخير، كان فيه إقرار إن أي تغيير في ملكية الأصول أو الموافقات المرتبطة بالضمان يستلزم مراجعة مستقلة قبل استمرار التسهيلات بالشروط القديمة.
الأستاذ حسام قرأ الصفحة بعناية، وبعدين قال:
«الورقة دي مهمة، لكنها محتاجة مراجعة مع باقي الملف. لازم نعرف مين وافق على الضمان، وهل الموافقة كانت محددة بمدة أو شروط معينة، وهل البنك عنده مستندات أحدث.»
بصيت للتوقيع مرة تانية.
وبدأت أفهم إن اللي بيحصل مش مجرد خلاف عائلي.
فيه اتفاقات مالية قديمة، وحقوق لازم تتحدد، وشركة ممكن تواجه أزمة لو ما قدرتش تقدم الضمانات المطلوبة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن الأستاذ فؤاد بصلي وقال:
«فيه حاجة تانية والدك طلب مني أقولها لك لو الملف اتفتح.»
قلبي دق بسرعة.
«إيه هي؟»
رد بصوت منخفض:
«والدك كان طلب مراجعة مستقلة لبعض التعاملات قبل وفاته، لكن المراجعة ما اكتملتش وقتها. وكان فيه مستند إضافي محتاجين يوصلوا لصاحبه الأصلي عشان يتأكدوا من تفاصيل مهمة.»
سألته:
«والمستند ده فين؟»
قال:
«على حسب آخر تسجيل عندنا، نسخة منه موجودة في أرشيف الشركة القديمة، ونسخة تانية كانت ضمن ملفات مكتب المحاسبة اللي تولى مراجعة بعض تعاملات شركة زوجك.»
بصيت للأستاذ حسام، فقال:
«هنطلب النسخ رسميًا، ونتأكد من صحتها قبل أي استنتاج.»
خرجت من المكتب وأنا شايلة نسخة من رسالة أبويا، وعقلي مليان أسئلة.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل هي إن جوزي يمنع عني الفلوس.
لكن دلوقتي، بقيت قدام حقيقة أكبر: لازم أعرف إذا كان فيه أي تعامل مالي اتعمل بطريقة أثرت على حقوقي، وإيه اللي شريف كان يعرفه فعلًا.
ولما وصلت البيت، لقيت مكالمة فائتة من حماتي سعاد، ورسالة منها بتقول:
«لازم نتكلم النهارده. إنتِ مش متخيلة المصيبة اللي عملتيها لابني.»
ما رديتش.
بعدها بدقايق، وصلتني رسالة تانية من رقم شريف:
«أمي جاية لك، ومش عايز مشاكل. لازم نحل الموضوع قبل ما يكبر.»
حطيت الموبايل على الترابيزة، وبصيت ناحية باب الشقة.
كنت عارفة إن المواجهة الجاية مش هتكون سهلة.
لكن المرة دي، مش هكون لوحدي، ومش هدخل أي نقاش من غير ما أبقى عارفة حقوقي كاملة.
وفجأة، جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت حماتي سعاد واقفة قدامي، لكن على غير عادتها، ما كانش على وشها أي أثر للشماتة.
كانت ماسكة ظرفًا بنيًا بإيديها، وملامحها متوترة.
بصتلي وقالت بصوت واطي:
«نادين، لازم تسمعيني كويس. أنا عارفة إنك غضبانة من شريف، وعارفة إني غلطت في حقك… لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تكملي الإجراءات.»
بصيت للظرف اللي في إيدها.
وسألتها:
«إيه اللي جابك يا سعاد؟ وإيه اللي في الظرف؟»
رفعت عينيها ليا، وقالت جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:
«الورق اللي معاكي مش هو المستند الوحيد… وأنا عندي نسخة من حاجة شريف نفسه مش عايزك تعرفي إنها موجودة!»
المستند اللي كشف الحقيقة، واللحظة اللي شريف خسر فيها كل حاجة كان فاكر إنه يملكها
فضلت باصة لحماتي سعاد، مش قادرة أصدق الكلام اللي سمعته منها.
الست اللي من يومين كانت بتشتمني وبتقول إني عالة على ابنها، واقفة دلوقتي قدام باب شقتي، ماسكة ظرف بني، وبتقول إن معاها مستند شريف نفسه مش عايزني أشوفه!
فتحت الباب على الآخر وقلت لها:
«اتفضلي يا سعاد. بس قبل أي كلام، عايزة أعرف إيه اللي حصل خلاكي تيجي لحد عندي بالشكل ده؟»
دخلت وهي بتبص حواليها بتوتر، وبعدها قعدت على الكنبة وحطت الظرف على الترابيزة.
ما كانتش قادرة تبص في عيني.
قالت بصوت مهزوز:
«أنا عارفة إني غلطت في حقك يا نادين. وعارفة إن الكلام اللي قلتهولك في التليفون كان قاسي، بس أنا كنت فاكرة إنك بتستغلي ابني، وإنه لازم يحطلك حدود.»
بصيت لها من غير ما أرد.
كملت وهي بتفرك إيديها:
«أنا طول عمري شايفة إن شريف هو اللي شايل البيت كله، وإن من حقه يتحكم في الفلوس اللي بيصرفها. لكن لما عرفت إن البنك بدأ يراجع حسابات الشركة، وإن فيه صندوق مالي باسمك مرتبط ببعض الضمانات القديمة، خفت.»
سألتها:
«خوفتي على شريف ولا على نفسك؟»
اتلخبطت، وبعد لحظة قالت:
«على ابني، طبعًا. بس كمان خفت إن حاجات قديمة تتكشف.»

