
دخلت لقيت الصالة مطفية، والريحة اللي في البيت ريحة ۏجع وحزن ساكن في الحيطان.
في ركن الصالة، كانت ملك الصغيرة قاعدة، ضامة رجليها لصدرها على الكنبة، وعينيها منفوخة من كتر العياط، باصة في الفراغ كأنها شافت شبح. ومريم الكبيرة كانت واقفة في نص الصالة، لابسة طرحتها ولابسة عبايتها كأنها على سفر، وقدامها على السفرة ظرف أبيض كبير ومقفول.
أول ما شافوني، ملك جريت عليا ورمت نفسها في حضڼي، مسكت في قميصي بكل قوتها، صوابعها الصغيرة كانت بتغرز في هدومي كأنها بتستغيث من الڠرق. حضنتها وبوست راسها، ورفعت عيني لمريم في إيه يا مريم؟ قلقتيني عليكي.. ظرف إيه ده؟ ومين اللي جه هنا وأنا بره؟
مريم قربت بخطوات تقيلة، عينيها كانت ثابتة في عيني، مفيش فيها دمعة واحدة، بس كان فيها انكسار يشيب شعر الراس. مدت إيدها للظرف، مسكته وبصتلي وقالت الظرف ده كان مع ماما الله يرحمها.. سابته في علبة صفيح صغيرة تحت الدولاب، وقالتلي يوم ما الدنيا تضيق بيكي خالص وأنا مش موجودة، وبابا أحمد يوصل لمرحلة يضطر يختار فيها بينكم وبين راحته، طلعيه واديهوله
في إيده.
قلبي وقع في رجلي. بصيت للظرف وعيني متثبتة عليه. المرحومة؟ سابت حاجة زي دي؟ هي كانت حاسة؟ كانت عارفة إن اليوم ده هييجي؟
قعدت على الكرسي وإيدي بتترعش، ملك قعدت في الأرض جنب رجلي وسندت راسها على ركبتي وهي بتشهق. مريم وقفت قدامي وكملت كلامها بصوت خشن قبل ما تفتح الظرف يا بابا، لازم تسمعني الأول.. إنت عشت معانا ١٣ سنة، مشوفناش منك غير كل حنية، عمري ما حسيت إن دمي مش من دمك، لما كنت بقع في الشارع وأنا عيلة كنت بجري عليك إنت مش على ماما.. لما كبرت وكنت بحتاج أشتري حاجة للمدرسة كنت بتوفر من قوت يومك عشان متخلناش نحس إننا أقل من حد. إنت أكتر من أب، وعشان كده إحنا مش هنسمح لنفسنا نكون السبب في إن بيتك يتخرب أو إنك تعيش مذلول عشاننا.
صوتها بدأ يتهز لأول مرة الست اللي اتجوزتها.. طنط نورهان.. من أول أسبوع دخلت فيه البيت ده وهي بتعاملنا كأننا جربانات. كانت لما إنت تنزل الشغل ترميلنا الأكل بايت وتقولنا ده مقامكم، كفاية إنكم واكلين شاربين من عرق راجل مش أبوكم.. ملك الصغيرة كانت بتدخل الحمام ټعيط بالساعات عشان
متسمعكش وإنت راجع تعبان. ويوم القلم.. هي ممدتش إيدها عليا عشان قصرت في ترويق ولا غسيل زي ما قالتلك..
سكتت مريم، وبلعت ريقها بصعوبة، وشفايفها ابيضت.
وقفت على حيلي من الصدمة أومال ضربتك ليه يا مريم؟! انطقي! خبيتي عليا إيه يا بنتي؟!
نزلت دموع مريم فجأة، شلال نزل على خدها، وقالت بصوت مجروح طالع من قاع قلبها ضړبتني عشان دخلت عليها الأوضة فجأة، لقيتها بتفتش في دولابك، وبتسحب دفتر التوفير بتاعك وعقود الشقة، وكانت بتتكلم في التليفون مع أبوها وبتقوله الشقة دي لازم تتكتب باسمي أو باسم الواد اللي هجيبه، البنات دول لو فضلوا هنا هيورثوا معاه وأنا مش هسيب مليم للغُرب!.. ولما شافتني، خاڤت لتفضح أمرها، راحت ضړباني بالقلم وقالتلي لو نطقتي بكلمة لأحمد هقوله إنك سړقتي دهبي وإنك بتبصيله بصات مش تمام وهخليه يرميكي في الشارع برقباصتك!
الدنيا لفت بيا. السقف كان هينزل يطبق على صدري. نورهان؟! الست اللي كنت رايح أصالحها وراضي أتحمل إهانات أبوها عشان ما أخربش بيتي؟ الست اللي أختي حلفت بأغلظ الأيمان إنها طيبة وغلبانة وملهاش في اللف
والدوران؟




