
محمود الشناوي كان واقف عند باب الأوضة وباصص لنادية بنظرة خلتها تحس إن الهوا نفسه بقى تقيل
قالها بصوت بارد
واضح إنك نسيتي إنتي جاية هنا تشتغلي إيه يا نادية ولا فاكرة نفسك جاية تحققي في أسرار العيلة
نادية سحبت إيدها بهدوء من إيد ياسين ووقفت باحترام
أنا مش بحقق في حاجة يا حاج محمود أنا كنت بسأله عن قصيص الزرع اللي كان جنب الشباك
محمود ضحك ضحكة قصيرة من غير أي ابتسامة
قصيص زرع إيه اللي شاغلكم عن علاجه وأكله
وبعدين قرب من السرير وبص لابنه
إنت كمان يا ياسين لسه مصمم تعيش في الماضي لحد إمتى هتفضل متعلق بحاجات غابت وانتهت
ياسين بص له بعينين مليانين وجع
أمي مش حاجة غابت وانتهت يا بابا دي أمي
ملامح محمود اتغيرت فجأة وكأنه اتضرب في مكان بيوجعه لكنه رجع تمالك نفسه بسرعة
أمك غابت من سنتين ولازم تفهم إن الحياة لازم تكمل
ياسين رد بصوت ضعيف لكنه كان مليان ضيق
الحياة كملت عندك إنت لكن أنا من يوم ما غابت وأنا مش فاهم إيه اللي حصل
محمود خبط بإيده على الكومودينو
إنت تعبان وبتقول كلام مش في وعيك
وبعدين لف ناحية نادية وقالها بلهجة حاسمة
خلصي شغلك وانزلي تحت ومش عايز أشوفك في الأوضة دي تاني من غير إذني
نادية خرجت من غير ما تجادل لكن قبل ما تقفل الباب سمعت ياسين بيقول
هي مش السبب في أي حاجة يا بابا متعاقبهاش عشاني
الباب اتقفل ونادية فضلت واقفة في الطرقة ثواني وهي بتحاول تفهم إيه اللي ممكن يخلي أب يتوتر بالشكل ده لمجرد إن ابنه جاب سيرة زرعة قديمة
نزلت للمطبخ ولقت الست فوزية مديرة البيت واقفة بتراجع طلبات الخضار واللحمة
فوزية بصتلها وقالت
مالك يا بنتي وشك مخطوف كده ليه
نادية اترددت شوية وبعدين سألتها
هو أستاذ ياسين كان بيحب الزرع قوي قبل ما يمرض
فوزية رفعت راسها بسرعة وبصتلها بقلق
إنتي جبتي سيرة الزرع ده منين
نادية استغربت رد فعلها
هو بنفسه حكالي عن قصيص كان جنب الشباك وإن الحاج محمود أمر يشيلوه
فوزية سابت الورق من إيدها وبصت حواليها تتأكد إن مفيش حد سامعهم وبعدها قربت من نادية وقالت بصوت واطي
اسمعيني كويس يا بنتي أنا هنا بقالي خمستاشر سنة وشوفت حاجات كتير بس في حاجات أحسن للواحد إنه ميسألش عنها
نادية عقدت حواجبها
يعني إيه
فوزية ردت وهي بتبص ناحية السلم
يعني مدام ليلى الله يرحمها كانت ست طيبة وحنينة على ابنها بشكل محدش يتخيله وكانت بتحب الجناين والزرع وكانت كل يوم تقعد مع ياسين بالساعات جنب الشباك ده
نادية سألتها
طب غابت إزاي
فوزية اتنهدت وقالت
قالوا إنها وقعت على السلم بالليل وإنها كانت لوحدها وقتها بس الغريب إن بعد غيابها بكام يوم الحاج محمود أمر بتغيير أقفال أوضتها وشال كل الزرع اللي كانت مزروعاه بنفسها ومنع أي حد يتكلم عنها قدام ياسين
نادية حست بقشعريرة في جسمها
طب وليه يمنعهم يتكلموا عنها
فوزية هزت راسها
والله ما أعرف يا بنتي بس أنا عمري ما نسيت اللي حصل يوم غيابها
قبل ما نادية تلحق تسألها عن أي تفاصيل دخلت واحدة من العاملات المطبخ ففوزية غيرت الموضوع بسرعة ورجعت تمسك الورق كأن مفيش حاجة حصلت
لكن الكلام اللي سمعته نادية فضل يلف في دماغها طول اليوم
وقبل المغرب بشوية كانت طالعة الدور التاني عشان تلم الملايات لما سمعت صوت حاجة بتتكسر جوه أوضة ياسين
جريت ناحية الأوضة وفتحت الباب لقت طبق الأكل واقع على الأرض وياسين بيحاول يوصل للكرسي المتحرك اللي كان بعيد عنه
جسمه كان بيرتعش من المجهود ووشه شاحب بشكل يخوف
نادية جريت وسندته قبل ما يقع
إنت بتعمل إيه يا أستاذ ياسين هتقع كده
ياسين كان بيتنفس بصعوبة لكنه أصر يقولها
لازم أوصل للمكتب بتاع ماما
نادية بصت له باستغراب
مكتب مامتك فين
أشار ناحية أوضة صغيرة في آخر الطرقة
أوضتها القديمة لسه فيها حاجة مخبيها قبل ما تغيب
نادية سكتت لحظة وبعدين قالت
طب استنى أجيبلك الكرسي وننادي الدكتور
ياسين مسك إيدها بقوة مفاجئة بالنسبة لواحد جسمه ضعيف بالشكل ده
مفيش وقت يا نادية أبويا هيعرف إننا بندور عليها ولو عرف هيتخلص منها زي ما اتخلص من كل حاجة تخصها
نادية قلبها دق بسرعة
هي إيه الحاجة دي
ياسين بص في عينيها وقال
ماما قبل ما تغيب بيوم واحد قالتلي لو في يوم حسيت إن محدش مصدقك وإنك مش فاهم الحقيقة دور ورا الصورة اللي في مكتبها
نادية ساعدته يوصل للكرسي وبعدها خرجت معاه ناحية الأوضة القديمة
كانت الأوضة مقفولة بمفتاح قديم لكن ياسين طلع من تحت المخدة مفتاح صغير كان محتفظ بيه من يوم غياب أمه
أول ما الباب اتفتح ظهرت ريحة تراب وخشب قديم وكل حاجة كانت متغطية بملايات بيضا
نادية بدأت ترفع الملايات واحدة واحدة لحد ما وصلت لمكتب خشب كبير فوقه صورة لليلى وهي واقفة جنب ياسين وهو طفل في الجنينة
ياسين بص للصورة ودموعه نزلت من غير ما يتكلم
نادية مدت إيدها ترفع الصورة من مكانها لكنها لاحظت إن ضهرها مش ثابت وإن فيه حاجة محشورة وراها
سحبت الصورة بحذر فوقع ظرف بني صغير على المكتب




