
خرجت من الأوضة وطلعت تليفوني واتصلت بأمي
ردت بعد الرنة التانية بصوتها المعتاد
“أيوه يا أحمد خير يا حبيبي؟”
قلت بهدوء مخيف
“إنتي فين؟”
“في البيت يا ابني مالك؟”
“محتاجة أشوفك حالًا”
ضحكت وقالت
“في حاجة حصلت؟”
رديت وأنا ببص من إزاز الأوضة على هالة
“أيوه يا أمي في حاجات كتير حصلت وأنا آخر واحد عرف بيها”
قفلت المكالمة واتصلت بالمحامي وطلبت منه ييجي المستشفى فورًا ويجيب كل الأوراق اللي تخص طلاقي من هالة
بعد ساعة كنت قاعد قدام أمي في مكتب المحامي
أول ما شافتني ابتسمت ومدت إيدها تسلم عليا لكني ماقومتش من مكاني
حطيت الرسالة قدامها
“إيه ده يا أمي؟”
بصت للورقة وابتسامتها اختفت
“إنت جبت الكلام ده منين؟”
“جاوبي على سؤالي”
حاولت تتماسك وقالت
“أنا كنت بحاول أحميك من واحدة مش مناسبة ليك”
ضحكت بمرارة
“تحميني؟ إنتي دمرتي جوازي وخليتيني أطلق الست اللي بحبها بسبب كدبة؟”
رفعت صوتها
“هي اللي كانت بتخدعك يا أحمد! كانت عايزة تحمل منك عشان تضمن مكانها في العيلة”
ضربت بإيدي على المكتب
“كفاية كدب!”
سكتت فجأة
طلعت ملف تاني وحطيته قدامها
“أنا راجعت كل حاجة يا أمي واكتشفت إنك بعتيلي صور ورسائل مزورة من رقم مجهول وخلتيني أصدق إن هالة كانت بتقابل راجل تاني”
وشها اصفر
كملت وأنا بحاول أسيطر على أعصابي
“والمحامي اللي بعتلها جواب الانفصال ده كان بياخد فلوس منك من ورايا”
بصتلي بعينين مليانين خوف
“أحمد اسمعني أنا عملت كل ده عشان مصلحتك”
رديت عليها بحزن
“مصلحتي إني أعيش من غير الست اللي بحبها؟ مصلحتي إني أحرم ابني من أبوه قبل ما يتولد؟”
بدأت تعيط وقالت
“أنا أمك يا أحمد ومكنتش عايزة أخسرك”
وقفت وبصيتلها
“وأنا كنت ابنك اللي كان ممكن يخسر مراته وابنه بسببك”
في اللحظة دي دخل المحامي ومعاه تسجيل صوتي كان أخده من تليفون المحامي السابق بعد ما وافق يسلم الأدلة للنيابة
شغل التسجيل
وصوت أمي طلع واضح وهي بتقول
“أنا مش عايزة هالة ترجع لابني ولو الطفل ده اتولد هيبقى مربوط بيها طول عمره لازم نخلص من الموضوع ده قبل ما يكبر”
أمي حطت إيديها على وشها وبدأت تعيط
لكن المرة دي أنا ماقدرتش أسامح بسهولة
الإجراءات القانونية بدأت وكل الأدلة اتسلمت للنيابة عشان التحقيق ياخد مجراه وأي حد يثبت تورطه يتحاسب
أما أنا فرجعت المستشفى تاني
دخلت أوضة هالة ولقيتها قاعدة على السرير وباصة من الشباك
قربت منها بهدوء وقلت
“ممكن أقعد جنبك؟”
ما بصتليش وقالت
“إنت لسه هنا ليه يا أحمد؟”
قعدت على الكرسي وقلت
“عشان مش هسيبك تواجهي كل ده لوحدك تاني”
ضحكت بسخرية
“إنت فاكر إن كلمة آسف هترجع التلات شهور اللي فاتوا؟”
هزيت راسي
“لأ عارف إنها مش هترجعهم وأنا مش جاي أطلب منك تسامحيني ولا ترجعيلي أنا جاي أقولك إنك وابني مسؤولية في رقبتي ومش هسمح لحد يأذيكم تاني”
بصتلي والدموع بدأت تتجمع في عينيها
“أنا كنت محتاجاك يا أحمد كنت محتاجة جوزي يصدقني مش يحكم عليا من غير ما يسمعني”
نزلت راسي وقلت
“عارف وإنتي عندك حق تكرهيني على اللي عملته”
مديت إيدي على الترابيزة وحطيت قدامها علبة صغيرة
فتحتها ولقت جواها خاتم الجواز بتاعها
بصتلي باستغراب
“إنت محتفظ بيه؟”
قلت بابتسامة حزينة
“من يوم ما مشيتي وأنا مش قادر ألبسه ولا قادر أرميه”
رجعت العلبة مكانها وقالت
“أنا مش جاهزة أرجع يا أحمد”
رديت من غير تردد
“مش هطلب منك ترجعي دلوقتي ولا بكرة أنا مستعد أبدأ من الصفر وأثبتلك بالأفعال إني اتغيرت”
عدت أسابيع طويلة وهالة بدأت تتحسن والطفل فضل بخير بفضل متابعة الدكاترة وكانت باينة أختي بتزورها كل يوم تقريبًا
وأنا كنت بحاول أكون موجود من غير ما أضغط عليها
كنت بروح معاها مواعيد المتابعة وأطمن على صحتها وأساعدها في كل حاجة محتاجاها
وفي يوم كنت واقف قدام باب أوضتها في المستشفى بعد ما الدكتور طمنا إن حالتها مستقرة وإنها تقدر ترجع البيت
هالة نادت عليا
“أحمد”
لفيت بسرعة
“أيوه يا هالة؟”
بصتلي وابتسمت ابتسامة صغيرة
“إنت عارف إن الدكتور قال إنك بقيت بتسأله عن كل تفصيلة تخص البيبي أكتر مني؟”
ضحكت لأول مرة من قلبي من شهور
“ده أنا لسه ماعرفتش هجيبله سرير لونه إيه”
ضحكت هي كمان وحطت إيدها على بطنها
“لسه بدري على الحاجات دي”
قربت منها وقلت
“طب تسمحيلي أكون موجود يوم ما يتولد؟”
بصتلي شوية وبعدين هزت راسها بالموافقة
“أكيد ده ابنك”
كانت دي أول خطوة حقيقية بينا بعد كل اللي حصل
وبعد شهور اتولد ابننا في مستشفى في القاهرة وكان أول ما سمعنا صوته حسيت إن قلبي رجع يدق من جديد
شيلته بين إيديا وأنا بعيط من الفرحة وهالة كانت بتبصلي بابتسامة تعبانة لكنها مليانة حنان
بصيت لابني وقلت
“أوعدك إني عمري ما هخليك تحس إنك لوحدك”
هالة مدت إيدها ولمست إيدي وقالت بهدوء
“خليك قد وعدك يا أحمد”
بصيتلها وقلت
“هفضل أحاول كل يوم لحد ما أثبتلك إني استاهل فرصة جديدة”
ما رجعناش لبعض في نفس اليوم وماكانش فيه اعتذار سحري مسح كل الوجع اللي فات لكننا بدأنا نتكلم من جديد ونتعلم نثق في بعض خطوة بخطوة
أما أمي فالقانون أخد مجراه وكل واحد شارك في تزوير الأوراق والتهديد والتلاعب اتحاسب على قد اللي ثبت عليه
وفي النهاية فهمت إن الحب مش مجرد إنك تقول لحد أنا بحبك الحب الحقيقي إنك تسمعه قبل ما تحكم عليه وتصدقه قبل ما تسمح لأي حد يهدم حياتكم
وأصعب حاجة مش إنك تخسر الشخص اللي بتحبه
أصعب حاجة إنك تكتشف إنك كنت تقدر تحافظ عليه بكلمة واحدة بس وهي أنا مصدقك
ومن يومها بقيت كل ما أبص لابني أفتكر إن تلات شهور من الغياب كانوا كفاية يضيعوا مني أجمل حاجة في حياتي
لكن هالة ادتني فرصة أتعلم إن الثقة لما بتتكسر مش بترجع بالكلام ولا بالوعود
بترجع بالمواقف والصبر والصدق
بس السؤال اللي فضل جوايا طول عمري هو هل لو هالة ماكنتش وقعت في اليوم ده وكنت عرفت بالحمل من حد تاني كنت هقدر أكتشف الحقيقة قبل ما أخسرها للأبد؟



