منوعات

القانون لا يحمي المغفلين حكايات منى السيد ج2

حكايات مني السيد
الفصل الثالث
قعدت في عربيتي ورا الدركسيون، حطيت إيدي الاثنين عليه، وأخدت نفس عميق وطلعت زفير طويل كأني بخرج معاه كل سنين القهر والۏجع اللي عشتهم.
أنوار الفندق الضخمة كانت عاكسة على الإزاز القدامي، ومن المراية الجانبية كنت شايفه الخبصة والهرجلة اللي بدأت تدب في المدخل الرئيسي. ناس طالعة تجري، ووالد سيلين واقف بيتكلم في التليفون بانفعال واضح، وأحمد واقف جنبه بيشوح بإيديه وشكله زي اللي اتكب عليه مية ساقعة في عز التلج.
دورت العربة، وشغلت كاسيت خفيف، واتحركت بهدوء وسط زحمة الشارع.
أنا مش من الستات اللي بتفرح في الخړاب، ولا عمري كنت بشعة أو بحب الإيذاء… بس فيه فرق كبير أوي بين الاڼتقام الشرير، وبين إنك تسترد حقك وتعلّم اللي ظلمك إن الدنيا تدور، وإن السكوت اللي افتكره ضعف كان مجرد استراحة محارب بيجهز عدته صح.
وصلت شقتي الهادية في المعادي. الشقة دي اللي اشتريتها من شغلي وتعبي بعيد عن عين أحمد وعيلته، شقة بسيطة، دافية، وفيها مكتبي الصغير اللي شهد على ليالي طويلة من السهر والمراجعة والتدقيق في الأرقام والعقود.
أول ما دخلت، قلعت الجزمة الكعب، ورميت الشال على الكنبة، ودخلت المطبخ عملت

لنفسي فنجان قهوة مضبوط.
الموبايل ما بطلش زن.
رقم أحمد كان بينور على الشاشة كل دقيقتين.
وبعديه رقم حماتي السابقة فاطمة.
وبعدهم أرقام غريبة ما أعرفهاش، غالباً رقم سيلين أو أبوه.
ما رديتش على ولا مكالمة. سبت الموبايل يرن على الرخامة، وأخدت فنجان القهوة وقعدت قدام شاشة اللاب توب في مكتبي.
فتحنا ملفات شركة N S.
الأوراق كلها كانت قدامي بالمسطرة والقلم.
العقد اللي بيني وبين سيلين فؤاد ما كانش مجرد عقد قرض عادي؛ ده كان عقد تمويل مقابل حصة ملكية مشروطة. بند رقم 7 فيه كان بيصص بوضوح في حالة إخلال الطرف الثاني بشرط السداد الدوري، أو وجود أي تغييرات إدارية جوهرية تؤثر على الشراكة، يحق للطرف الأول مطالبة كافة المستحقات دفعة واحدة أو تحويل أصل القرض إلى أصول مملوكة بالكامل بشركة العيادات.
وسيلين، للأسف، ما كانتش بتدفع الأقساط الأخيرة بانتظام، وكانت فاكرة إن المستثمر المجهول ده صيد سهل ومطنش! هي ما كانتش تعرف إنه كان مستني اللحظة المناسبة تماماً.
الصباح والضړبة الأولى
الساعة جت تسعة الصبح بالظبط.
كنت قاعدة في مكتبي بالشركة في التجمع الخامس، لابسة بدلة رسمية كحلي، وشاربة قهوتي الثانية، وبراجع التقارير مع الأستاذ نبيل
المحامي، ومعانا فريق الحسابات.
المحامي ابتسم وهو بيبص في ساعته وقال
دلوقتي بالظبط… المحضرين ومعاهم قوة من الشرطة الإدارية وممثلي البنك المركزي متواجدين قدام المقر الرئيسي لعيادات الدكتورة سيلين فؤاد. والنسخة الثانية من الإنذار وصلت لل سويت في الفندق من نص ساعة.
ما كملش كلامه، وتليفون المكتب الارضي رن.
المواظفة فتحت الخط، وبعد ثواني بصتلي وقالت
أستاذة ندى… الدكتورة سيلين فؤاد ووالدها الدكتور فؤاد ومعاهم الأستاذ أحمد متواجدين تحت في الاستقبال، وطالبين يقابلوكي فوراً وبدون ميعاد. شكلهم منفعلين جداً.
عدلت جاكيت البدلة، وابتسمت لهدوء
خليهم يستنوا في صالة الانتظار ربع ساعة… وبعدين دخليهم أوضة الاجتماعات الرئيسية.
الأستاذ نبيل ضحك بصوت واطي
حركة معلم يا أستاذة… الضغط النفسي بيجيب نتيجة أسرع من القضايا.
مواجهة في أوضة الاجتماعات
بعد ربع ساعة بالظبط، فتحت باب أوضة الاجتماعات ودخلت.
المنظر كان يستاهل كل لحظة تعب.
سيلين كانت قاعدة وشها أصفر زي الليمونة، الميك أب بتاع الفرح كان لسه آثاره باينة تحت عينها من التعب والسهر، ولابسة طقم عادي ومستعجل، وإيدها ب do tremble وهي ماسكة الورق الرسمي اللي وصلها.
أحمد
كان واقف جنب الشباك، بياكل

في ضوافره، أول ما دخلت اتعدل ووشه جاب ألوان… كان فيه مزيج مرعب في عينه بين الخۏف، والذهول، والانكسار.
أما الدكتور فؤاد، والد سيلين، فكان نحاول يحافظ على وقاره المزيف، بس عينيه كانت بتطق شرار.
قعدت على رأس الترابيزة، وشاورت للأستاذ نبيل يقعد جنبي.
صباح الخير يا جماعة… خير؟ أتمنى تكون زيارتكم دي بخصوص تسوية الموقف المالي مش مجرد زيارة مجاملة.
سيلين هجمت بالكلام فوراً، وصوتها كان متوتر ومهزوز
أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ فاكرة إن بلطجة الأوراق دي هتمر بالساهل؟ أنتِ ڼصابة! استغلتي إن العيادات كانت في أزمة وكتبتيني على عقود إذعان!
رديت عليها بهدوء يقهر
عقود إذعان؟ دكتورة سيلين… أنتِ اللي جيتي لمكتبي من تلات سنين ورجلك فوق رقبتك، وكنتي بټعيطي عشان العيادات ما تتقفلش ويتلغى ترخيصك بعد قضية الإهمال الطبي بتاعة المدام إلهام. أنا اللي ضخيت 20 مليون جنيه في حسابك وسددت ديونك للبنك الأهلي، وبسببي أنا بقى عندك 5 فروع! وينك وقتها ما قولتيش إذعان؟
والدها اتدخل بصوت حاد حاول يخليه هادي
يا مدام ندى… بلاش ندخل الأمور الشخصية في العمل. أحمد جوز بنتي دلوقتي، واللي حصل بينك وبينه في الماضي ده شيء

يخصكم أنتم الاثنين. إحنا هنا عشان نصلح الموقف المالي. 20 مليون كاش في 48 ساعة ده شرط تعجيزي وأنتِ عارفة إن الأرصدة مجمدة.
بصيت لأحمد اللي كان واقف ساكت، وقولت بتهكم
والله يا دكتور فؤاد… الأمور الشخصية هي اللي جابتنا هنا. الباشمهندس أحمد، نسيبك المحترم، دخل بيتي وأكل عيشي وملحي، وفي الآخر سرق دهب أمي الله يرحمها وحساباتي، وخرج يتقطع في سمعتي ويقول عليّ مفلسة وغلبانة ومابفهمش في الشغل. وهو واقف جنبك اهو… اسأله، مين فينا اللي طلع مابيفهمش؟
أحمد اتكلم بلعثمة وړعب
ندى… أنتِ فاهمة غلط… أنا الدهب كنت أخدته عشان…
قطعت كلامه بصوت حاد زي السيف
اسمي الأستاذة ندى! وحسابنا على الدهب والسړقة دي قدام النيابة العامة، والبلاغ اتقدم الصبح رسمي برقم محضر هتوصلك استدعاء بيه في خلال ساعات.
أحمد وشه اتخطف، وبص لسيلين ولأبوها وكأنه بيستنجد بيهم.
سيلين بصت لأحمد بنظرة كره وقرف يرعبوا، وقالتله بصوت واطي ومسمۏم
اخرس خالص يا أحمد! ما نسمعش صوتك! أنت السبب في كل القرف ده! أنت اللي جيبتلي المصېبة دي لحد عندي!
التفتت ليّ سيلين وقالت، ونبرة الغرور بتاعت البارح كانت اختفت تماماً وحل مكانها التوسل
يا أستاذة
ندى… إحنا ممكن نوصل لحل وسط. نعدل بنود العقد، ونديكِ نسبة أرباح أعلى، أو نعمل جدولة للمبلغ على سنة…
ابتسمت ورفعت إيدي بمنعها تكمل
جدولة؟ لا يا دكتورة. أنا مش محتاجة فلوسك… أنا محتاجة الأصول.
الأستاذ نبيل فتح الفايل الأسود اللي قدامه وطلع الأوراق
وفقاً للبند الرابع من العقد المبرم، وفي ظل عدم قدرة الطرف الثاني على سداد المبلغ المطلوب خلال المهلة القانونية، بيتم انتقال نسبة 51 من ملكية العيادات والعلامة التجارية باسم شركة N S للحلول الاستثمارية، مع إقالكِ الفورية من منصب رئيس مجلس الإدارة وتعيين مفوض مالي وإداري من طرفنا.
سيلين صړخت
أنتوا بتتكلموا إزاي؟! دي عياداتي! اسمي أنا!
دكتور فؤاد وقف بانفعال
أنا رئيس مجلس إدارة مستشفى كبير! مش هسمح بالمهزلة دي! أنا هكلم وزراء وهرفع قضايا!
الأستاذ نبيل رد ببرود قاټل
اتفضل يا فندم، القضاء مفتوح للجميع. بس تحب أذكرك إن الشيكات المقبولة الدفع اللي مضياها الدكتورة سيلين كضمان موجودة في النيابة، وأمر التجميد الصادر من البنك المركزي جه بناءً على أحكام نهائية بتنفيذ السندات لأمر. يعني أي حركة مش مظبوطة… الدكتورة ممكن تقضي ليلتها في التخشيبة.
سيلين
قعدت على الكرسي كأن ركبها

طلقني يا أحمد! طلقني فوراً!
أحمد اتخض
إيه؟ سيلين أنتِ بتقولي إيه؟ إحنا لسه متجوزين إمبارح!
أقول إنك راجل نحس ودمرتني! دخلت حياتي عشان تخربها! أنت جايلي فاكر نفسك رجل أعمال وأنت مجرد نصاب وسارق دهب طليقك! طلقني بقولك!
والدها مسك أحمد من ياقة بدلته وزقه بره أوضة الاجتماعات
اطلع بره! اطلع بره يا حشرة! أنت مش هتتدخل عيلتنا تاني! وحق بنتي وفلوسها اللي ضاعت بسببك أنا هعرف أخدها منك إزاي!
أحمد كان بيترجم بين إيدين والد سيلين، وورقة الفرح الفخم اللي كان عايشها إمبارح اتدفنت تحت جزمة الواقع.
وقف قدامي، وعينيه فيها دموع التوسل
ندى… أرجوكي… عشان خاطر الأيام اللي كانت بينا… انقذيني! أنا هتسجن! فاطمة أمي هيجرالها حاجة!
بصيت له بمنتهى البرود، حطيت إيدي في جيب البنطال، وقولتله كلام حفرته في قلبه
الأيام اللي كانت بينا أنت بعتها برخيص يا أحمد… لما طلعتني قدام الناس شحاتة وغلبانة. الدهب اللي أخدته، والفلوس اللي سرقتها، والكسرة اللي حبيت تكسرهالي في الفرح إمبارح… كل ده له ثمن. والثمن أنت بتبدأ تدفعه دلوقتي.
أشرت لأمن الشركة
يا أمن… خرجوا الأستاذ بره المَبنى، وممنوع يدخل هنا تاني.
أحمد اتسحب

بره الأوضة وهو پيصرخ وبيترجى، وسيلين قاعدة تبكي پهستيريا وأبوها بيحاول يكلم المحاميين بتوعه في التليفون ومش عارفين يوصلوا لحل.
جمعت أوراقي بهدوء من على الترابيزة، وبصيت لسيلين وقولت
الصبح الساعة عشرة… المفوض الإداري بتاعنا هيكون في العيادة الرئيسية لاستلام الأوراق والعيادات. أتمنى تخلوا الاستلام يتم بهدوء… عشان سمعة الدكتورة الشهيرة.
طلعت من أوضة الاجتماعات ورجعت لمكتبي.
قعدت على الكرسي الجلد، وبصيت من الشباك العالي على القاهرة كلها.
الشمس كانت طالعة، والنور مالي المكان.
الموبايل رن تاني… المرة دي كانت حماتي السابقة فاطمة.
فتحت الخط وسمعت صوتها وهو بيعيط وبيتوسل
ندى يا بنتي… الحقيني! أحمد في القسم! وسيلين طردته ورمت هدومه في الشارع! أرجوكي يا ندى يا بنتي افصحي عنه وتنازلي عن المحضر!
رديت بنبرة هادية ومستقيمة زي الألف
أهلاً يا حاجّة فاطمة… مش أنتِ إمبارح كنتِ بتقولي إني زي الجدار المايل، وإني دخلت بيتكم بشنطة هدومي وخرجت شحاتة؟ الجدار المايل ده يا حاجّة… وقع على ابنك، ومش هيقوم منه بالساهل.
وقفلت الخط في وشها.
أخدت بق قهوة هادي…
القصة لسه ما انتهتش… العيادات بقت تحت إيدي، وأحمد مستنيه محاكمة في السړقة، وسيلين
بتحاول تنقذ نفسها من الإفلاس المحتوم.
بس الأهم من ده كله… إن ندى الغلبانة اختفت للأبد… وحل محلها ست بتعرف تاخد حقها بالقانون وبالتكتيك، ومن غير ما توسخ إيدها.
واللي جاي… أصعب بكثير!
الفصل الرابع والأخير
مرت تلات أسابيع على ليلة الفرح… تلات أسابيع كانوا كفيلين يقلبوا حياة كل واحد فينا رأساً على عقب.
الدنيا دي عجيبة أوي، اللي بيفتكر إنه ملكها بين يوم وليلة، ممكن يصحى يلاقيه مش لاقي اللقمة اللي يسد بيها جوعه. غرور الإنسان هو الفخ الحقيقي اللي بينصبه لنفسه، وما بيحتاجش حد يزقه فيه… هو بيقع بملء إرادته.
في خلال الأسابيع دي، كانت إمبراطورية سيلين فؤاد الكدابة بتتساقط زي أوراق الشجر في الخريف.
المفوض المالي والإداري اللي عينته من شركتي استلم إدارة الفروع الخمسة لعيادات التجميل. ولما بدأنا نفتح الدفاتر المتقفلة، ونراجع الحسابات القديمة اللي كانت سيلين ومحاسبها بيحاولوا يخفوها، اكتشفنا بلاوي سودة. العيادات ما كانتش بس مديونة، دي كانت بټغرق في قضايا إهمال طبي متتغطية بفلوس الرشاوي، ومحاولات تهرب ضريبي بملايين الجنيهات.
سيلين ما استحملتش الضغط. في خلال أسبوع واحد، رفع والدها راية الاستسلام. تنازلت لي عن حصتها الباقية في
العيادات بالكامل مقابل إن شركتي

تتكفل بسداد الديون للبنك وتتولى التسويات القضائية، وتسحب الشيكات المرفوعة ضدها في النيابة.
من أشهر دكتورة تجميل في مصر، لبنت بتدور على مكتب صغير في منطقة نائية تفتح فيه عيادة بسيطة بعيد عن الأضواء… الشو الإعلامي اللي كانت عايشة فيه انتهى، والناس اللي كانوا بيسقفولها في الفرح، هما أول ناس سحلوا اسمها على منصات التواصل الاجتماعي لما الخبر اتسرب.
أما أحمد…
أحمد كان حكايته حكاية ثانية خالص.
السقوط القاع
المحضر اللي قدمته ضده پتهمة سړقة الدهب وتبديد الحسابات المشتركة أخد مجراه القانوني بسرعة الصاروخ.
سيلين وطليقها الدكتور فؤاد ما اكتفوش بطرده رمياً بالكلاب من حياتهم، لا… دكتور فؤاد استغل نفوذه وقدم فيه بلاغ هو كمان پتهمة التزوير واستغلال النفوذ والڼصب، بعد ما اكتشف إن أحمد كان كاتب في سفيته الذاتية مؤهلات وخبرات وهمية عشان يوصل لبنته وياخد المنصب الإداري في المستشفى.
أحمد اتقبض عليه من شقة أمه، في فجر يوم أسود عليه.
الحجة فاطمة، اللي كانت إمبارح بتتفاخر بعز ابنها وبتاكل في لحمي قدام الناس، لفت على كل المعارف والأقارب عشان تلم فلوس الكفالة وتدفع ثمن الدهب اللي سرقه… محدش رضي يديها مليم

واحد.
الناس اللي كانوا بيضحكوا معاها في القاعة وبيجاملوا ابنها، هما نفس الناس اللي قفلوا البيبان في وشها وقالولها ابنك حرامي ونصاب… ربنا يمهل ولا يهمل.
في اليوم اللي اتقرر فيه جلسة المعاينة والمواجهة في النيابة، الأستاذ نبيل اتصل بيا وقال
أستاذة ندى… أحمد ووالدته طالبين يقابلوكي في الاستراحة قبل ما يدخلوا لوكيل النيابة. المحامي بتاعه بيترجانا نعمل صلح في شق سړقة الدهب، ومستعدين يكتبوا إيصالات أمانة بالرقم كله.
حطيت القلم من إيدي، وبصيت من شباك مكتبي الجديد اللي بقى بيطل على أكبر ميادين التجمع.
عيادات سيلين سابقاً… بقت دلوقتي شبكة مؤسسة ندى السيد للرعاية والتجميل.
جاهزي العربة يا أستاذ نبيل… أنا جاية.
اللقاء الأخير في المحكمة
محكمة التجمع كانت زحمة، وصوت الخطوات والمحاميين مالي الطرقات الرخام.
كنت ماشية بخطوات واثقة، لابسة طقم رسمي أسود أنيق، حاطة نظارتي الشمسية على شعري، وورايا المحامي بتاعي واثنين من مساعديه شايلين الفايل القانوني.
أول ما وصلت الممر المؤدي لمكتب وكيل النيابة، شفتهم.
أحمد كان قاعد على الدكة الخشب، إيديه متكلبشة بالحديد، لابس ترنج رياضي مبهدل، ووشه دبلان، وعينيه حمرة
من كثر العياط والسهر في التخشيبة. دقنه كانت طالعة ومبهدلة، والغرور اللي كان مالي وشه في الفرح اتخرط وبقى مكانه ذل وانكسار يرعب.
جنبه كانت الحجة فاطمة، قاعدة على الأرض تقريباً، طرحتها ملوية ووشها أسود من الهم.
أول ما أحمد شافني، قام وقف بسرعة، والكلابشات عملت صوت يرن في الممر
ندى! ندى أرجوكي!
العسكري زقه بقوة وقاله اقعد يا متهم! ممنوع الحركة!
أحمد قعد وهو بيبكي پهستيريا، والحجة فاطمة زحفت على ركبها تقريباً لحد ما وصلت عندي، ومسكت في أطراف بنطالي وهي بتنتحب
بوس إيدك يا ندى يا بنتي! ابوسي رجلك! سامحي أحمد! والله مظلوم… الشيطان غواه! أبوس إيدك يا بنتي ما تضيعيش مستقبله، ده ابني الوحيد! اعتبريني زي أمك الله يرحمها!
نفضت طريقي بهدوء وارتقاء، وبصيت ليها بنظرة حزن… مش حزن عليها، حزن على العقول اللي ما بتفوقش غير لما الساطور يقع على الرقبة.
رديت بصوت واطي ومستقر
أمي الله يرحمها ما كانتش بتاكل حرام يا حاجّة فاطمة… أمي الله يرحمها علمتني إن شرف البني آدم في كلمته وأمانته. وأنتِ اللي جيتي في الفرح وقلتي إن ابنك ربنا عوضه عن الفقر والشقاء اللي كان عايش فيه معايا… أديكي شايفه العز اللي وصله.
الحجة
فاطمة غطت وشها بإيديها

أنا غلطت يا بنتي! أنا لساني كان عايز القطع! أنا كنت مخدوعة في الزيطة والدفوف! أرجوكي اعفي عنه… هنرجعلك كل مليم، والله هنبيع شقتي ونرجعلك حقك!
بصيت لأحمد، اللي رفع راسه وبصلي بعيون ملهاش رجاء
ندى… أنا آسف. والله العظيم أنا كنت غبي… سيلين وأبوها ضحكوا عليا، فهموني إنهم هيعملوني شركاء، وأنا صدقتهم. أنا بعت دهبك عشان أكمل التجهيزات اللي طلبوها مني… أنا اتعميت! سامحيني يا ندى… اديني فرصة واحدة أصلح اللي عملته، أنا مستعد أشتغل عندك خدام… بس بلاش السچن!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كمية مرارة وألم قدمت خلاص وتلاشت.
خدام يا أحمد؟ أنت عمرك ما هتعرف تخدم حد لأنك ما بتعرفش تحب غير نفسك. أنت ما اتعميتش من سيلين ولا من أبوه… أنت اتعميت من الطمع. أنت بصيت تحت رجليك وافتكرت إن الست الهادية البسيطة اللي كانت بتراعيك وبتحافظ على بيتك دي ضعيفة، وافتكرت إن السكوت هبل.
قربت منه خطوة، وشاورت على الكلبشات اللي في إيده
الكلبشات دي أنت اللي لبستها لنفسك يوم ما حطيت إيدك في خزنتي وسړقت تعبي وتعب أمي… ويوم ما وقفت في نص القاعة قدام مئات الناس تتباهى إن كشف عروستك الجديدة

أغلى من مرتب السنة بتاعي.
أحمد نزل راسه في الأرض، والدموع نازلة على خدوده بغير حساب
أنا مستاهل… أنا عارف إني حقېر ومستاهل… بس بلاش السچن يا ندى، بلاش الضياع.
الأستاذ نبيل اتدخل وقالي
أستاذة ندى… وكيل النيابة منتظرنا جوه عشان نوقع التنازل لو حضرتك مقتنعة، أو نثبت أقوالنا ونحيل القضية للجنايات فوراً.
سكت لحظة. الممر كله كان ساكت، والحجة فاطمة معلقة عينها على شفايفي مستنية الكلمة اللي هتحدد مصير ابنها.
أخدت نفس عميق، وقولت بوضوح
أنا مش هتنازل يا أستاذ نبيل.
الحجة فاطمة صړخت يا لهوي!
كملت كلامي وأنا ببص لأحمد في عينيه مباشرة
الدهب والفلوس اللي اتسرقوا قيمتهم هتتحصل بالقانون من الشقة اللي باسمك، ومن أي أصول حيلتك. إنما حق كرامتي وحق الأيام اللي ضاعت في القهر، ده ملوش ثمن بالفلوس… القانون يا أحمد هو اللي هيقول كلمته، عشان تتأكد إن ندى الغلبانة بتعرف تاخد حقها للآخر.
التفتت ومديت ظهري ليهم، ومشيت ناحية مكتب وكيل النيابة.
صوت صړاخ فاطمة وعياط أحمد كان يرن ورايا، بس المرة دي… قلبي ما اتعصرش ولا نقطة واحدة. الشعور الوحيد اللي كان جواه هو الحرية.
بناء الإمبراطورية الحقيقية
مرت
ست شهور على اليوم ده.
الحكم صدر على أحمد بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية السړقة والتزوير، غير التعويض المالي الضخم اللي اتفرض عليه، واللذة اللي اضطرت أمه تبيع شقتها عشان تدفع جزء منه وتهرب من القضايا الثانية.
أما سيلين، فساب مصر كلها وسافرت لبلد عربي تشتغل في مركز تجميل صغير كاستشارية برواتب عادية، بعد ما اتقفلت في وشها كل الأبواب وتلاشت شهرتها المزيفة.
وفي نفس الوقت… كانت مؤسسة ندى السيد للحلول الاستثمارية والرعاية الطبية بتكبر وتتوسع.
العيادات اللي استحوذت عليها أعدت هيكلتها بالكامل. غيرت الإدارة الفاسدة، وجبت أكفاء الأطباء والجراحين اللي بجد، وعملت نظام خصومات وتخفيضات للحالات غير القادمة، وخليت العمل الخيري جزء أساسي من نشاط الشركة.
في يوم دافي من أيام الربيع، كنت واقفة في الصالة الرئيسية للفرع الجديد بتاعنا في الشيخ زايد.
المكان كان منور بالنور الطبيعي، الورد البلدي الحقيقي مالي الفازات، والأنوار هادية ومريحة. ما كانش فيه ثريات كريستال ضخمة ولا شو إعلامي مزيف… كان فيه بس شغل حقيقي، وأرقام مظبوطة، وناس داخلة وخارجة بابتسامة راضية.
كنت لابسة فستان بيج أنيق،
ومربطة شعري بهدوء،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى