
الجزء الثالث والاخير
دخلنا قسم الشرطة، وصوت خطواتنا كان بيرن في الممر الطويل المدهون أصفر كئيب، الممر اللي بيفصل بين الحقيقة والكدب، بين القوة المزيفة والضعف اللي بيقلب لجبروت. ريحة الدخان والشاي المغلي والكلابشات كانت مالية الجو، وأنا ماشية ضهري مفرود ورا طارق، حاسة لأول مرة من سنين إني مش نادية الطيبة المغفلة، أنا نادية اللي جاية تاخد حقها تالت ومتلت.
كريم كان ماشي قدامنا ورا عسكري الحراسة، كتفه مايل وعينه في الأرض، كأنه عيل ممسوك بيسرق من كانتين المدرسة. أما ياسمين، فكانت ماشية بتعريج خفيف وبتحط إيدها على بطنها كل خطوتين، بتبص لأي حد يجي عينه في عينها بنظرة الضحېة
المظلومة، بس لمعة الغل في عينيها كانت ڤضحاها.
وصلنا قدام مكتب رئيس المباحث، يافطة نحاس محفورة المقدم حسام عبد الدايم رئيس وحدة المباحث.
العسكري خبط ودخلنا. المكتب كان واسع، ورا المكتب كان قاعد ضابط تلاتيني، ملامحه حادة وعينيه فاحصة وباردة زي المشرط. كان ماسك محضر قديم في إيده وبيشرب قهوة، أول ما دخلنا رفع عينه، وبص للمجموعة الغريبة اللي قدامه ست ملامحها هادية بس عينيها حجر أنا، محامي لابس شيك جدا وماسك شنطة جلد طارق، راجل متبهدل ووشه أصفر من الړعب كريم، وواحدة حامل في شهورها الأخيرة لابسة فستان سواريه ومتزوقة كأنها جاية من فرح.
الضابط حسام رمى القلم على المكتب وسأل بصوت
رخيم خير يا حضرة الظابط؟ إيه الليلة دي كلها؟
ضابط النجدة حط كشف البلاغ على المكتب وأدى التحية تمام يا فندم، بلاغ استغاثة باقټحام مسكن وبلطجة في التجمع، المهندسة نادية مقدمة البلاغ، والأستاذ كريم جوزها والمدام دي مراته التانية، وكان معاهم اتنين محامين اتحفظنا عليهم في النوبتجية برة عشان مش معاهم كارنيهات سارية وعليهم شبهة انتحال صفة.
المقدم حسام بص لكريم إنت كريم المنشاوي؟
كريم بلع ريقه وصوته طلع مبحوح أيوة يا فندم… والله الموضوع كله سوء تفاهم عائلي. دي مراتي ودي مراتي، وحصل خلاف على الشقة، وأنا راجل مهندس ومحترم وعمري ما دخلت قسم شرطة، دي نزغة شيطان وخلافات حريم و…
طارق
قاطعه
واثقة على طرف المكتب وهو بيطلع كارنيه النقابة والتوكيل اسمحلي يا سيادة المقدم. الموضوع أبعد ما يكون عن خلاف حريم أو نزغة شيطان. إحنا قدام جناية تزوير في محررات رسمية، وخېانة أمانة، وسړقة مسكن، واستيلاء على مبالغ تتجاوز الستة مليون جنيه بطرق احتيالية.
ياسمين شهقت بصوت عالي ودموع التماسيح نزلت شلال على خدها ستة مليون إيه يا باشا؟! ده محامي كداب ومرتشي، والست دي أصلا طليقة جوزي وبتتبلى علينا عشان حرقانة مني ومن ابني اللي في بطني! الست دي عاقر بقالها ١٥ سنة مش بتخلف وعايزة تدمرنا وتخرب بيتنا!
الكلمة طلعت من بقها زي السم، رنت في الأوضة وخلت العسكري اللي واقف
على الباب يبصلها باستهجان. حسيت بوغزة خفيفة في قلبي، بس الغريب إن الۏجع مشلنيش زي زمان. بصيت لها وابتسمت، ابتسامة باردة جدا خلت ياسمين تسكت فجأة وترتبك.
المقدم حسام خبط بإيده على المكتب خبطة رجت الكوبايات بس! كلمة زيادة هنا والكلابشات هتنزل في إيدك إنتي وهو قبل الصبح! إحنا في مكتب حكومة مش في سوق خضار! اقعدوا كلكم.
قعدنا على الكراسي الجلد اللي قدام المكتب. المقدم حسام بص لطارق هات اللي عندك يا أستاذ طارق، بس بالورق والإثبات مش بالخطب.
طارق فتح الشنطة، وطلع دوسيهين واحد كان معاه، والتاني هو الظرف البني اللي أنا لقيته في الخزنة.
سيادتك، موكلتي المهندسة نادية اتفاجأت
النهارده بالصدفة البحتة إن جوزها متجوز عليها من أكتر من سنة. ده حقه الشرعي حتى لو فيه نذالة، لكن اللي مش حقه هو الآتي أولا، الشقة موضوع البلاغ مملوكة بالكامل لموكلتي بعقد بيع مسجل وخالصة الثمن من مالها الخاص وميراثها الشرعي، وادي صورة العقد المشهر المؤرخ من تسع سنين. ثانيا، تم استغلال توكيل عام قضايا وإدارة كانت موكلتي عملته للأستاذ كريم من سنتين، وعمل بيه تلاعب وشراء ورهن عقاري لحساب شركة مقاولات اسمها نيو فيجن.
المقدم حسام حواجبه اترفعوا وبص في الورقة شركة إيه؟
نيو فيجن للمقاولات والتجارة يا فندم. متأسسة من تمن شهور، الشركاء فيها ياسمين مصطفى عبد العزيز بنسبة
٠٪، وكريم المنشاوي بنسبة ٢٥٪، وأخوها حسام مصطفى بنسبة ٢٥٪. والأستاذ كريم رهن شقة موكلتي بضمانة خطاب تمويل وقرض ب ٤ مليون جنيه لصالح الشركة دي، وسحب من حساب موكلتي المشترك معاه اتنين مليون جنيه كاش وحولهم لنفس الشركة!
هنا، ياسمين وشها اتخطف، والدم هرب من شفايفها تماماً. بدأت تبص يمين وشمال بتوتر.
لكن المفاجأة الكبرى مكنتش في كلام طارق…
المقدم حسام أول ما قرا اسم حسام مصطفى عبد العزيز واسم شركة نيو فيجن، ملامح وشه اتغيرت تماما. ساب القلم، وبص لياسمين بنظرة تانية خالص، نظرة صقر لمح فريسته.
المقدم حسام مد إيده للدرج وطلع فايل كرتون أحمر كان محطوط على جنب ياسمين مصطفى عبد العزيز… أخوكي
حسام فين يا مدام؟
ياسمين ارتبكت، وصوتها اتهز أخويا… أخويا مسافر دبي يا باشا، عنده شغل هناك.
المقدم حسام ابتسم ابتسامة سخرية مرعبة، ورفع سماعة التليفون الداخلي هاتلي أمين الشرطة ممدوح من قسم مكافحة جرائم الأموال العامة حالا.
كريم اتنفض من على كرسيه أموال عامة؟! إيه علاقة الأموال العامة بمشكلتنا يا فندم؟!
المقدم حسام بص لكريم من فوق لتحت بقرف حقيقي علاقتها يا مغفل إن الست الهانم اللي متجوزها في السر، وأخوها الهربان، عليهم تلات أوامر ضبط وإحضار من نيابة الأموال العامة پتهمة الڼصب وتوظيف الأموال وتأسيس شركات وهمية لغسيل الأموال ونهب قروض بنكية بمستندات مزورة!
الأوضة كلها سكتت، سكووووت تام،
لدرجة إن صوت تكتكة الساعة على الحيطة كان زي الرعد.
بصيت لياسمين… ملامحها كانت بتتحلل، وشها اللي كان مليان جبروت وتبجح بقى زي المېت، عينيها عمالة تزوغ وإيديها كانت بتترعش لدرجة إن شنطتها وقعت من إيدها على الأرض واتدلق منها مكياجها وفلوسها.
المقدم حسام فتح الفايل الأحمر وبدأ يقرأ المحضر رقم ٤١٢٢ لسنة ٢٠٢٦ أموال عامة… ياسمين مصطفى وأخوها حسام، طريقتهم واحدة بيوقعوا رجالة أعمال أو مهندسين سذج، يتجوزوا منهم أو يشاركوهم، يسحبوا أصولهم وعقاراتهم بضمانات قروض بنكية وهمية، وأول ما القرض يتصرف، الفلوس تتحول برة مصر، والشركة تعلن إفلاسها، ويلبس الزوج أو الشريك المغفل في شيكات من غير رصيد وقضايا
رهن ويدخل
وهما يطيروا بالغنيمة!
كريم وقع على ركبه في الأرض، حرفيا وقع من على الكرسي! وشه بقى زي الجير، مسك راسه بإيديه الاتنين وبدأ ېصرخ بصوت مكتوم زي الذبيحة إيه؟! إنتي ڼصابة؟! ده أنا كتبتلك نص الشقة بيع وشړا من ورا نادية! ده أنا رهنت الشغل كله عشانك! ده أنا سحبت كل مليم تملكه نادية في البنك وحطيته في حساب شركتك باسمك وباسم أخوكي!
ياسمين أول ما لقت اللعبة اتكشفت والحيطان بتتقفل عليها، وش التمسكن وقع، وظهر وش الحية الحقيقي اخرس يا روح أمك! إنت اللي جيتلي راكع عشان أوافق أتجوزك، قولتلي دي ست معقدة مابتخلفش ومقضياها شغل، وقولتلي معاها ملايين وهنلهفهم ونسافر نعيش في
الساحل! إنت اللي سرقتها بإيدك ومضيتها على التوكيل، أنا ممسكتش إيدك ولا ضربتك عليها!
القسم كله اتقلب في ثواني. كريم ھجم عليها كان عايز يمسك في رقبتها، والعساكر جريوا عليه وثبتوه في الأرض وكلبشوا إيديه ورا ضهره، وهو عمال ېصرخ ويبكي زي العيال ضيعتيني يا ڤاجرة! ضيعتيني وخربتي بيتي! ده أنا بيعت نادية اللي كانت شايلاني خمستاشر سنة عشانك! ده أمي باعت غوايشها عشان تديني مقدم الشقة الجديدة ليكي!
كنت قاعدة على الكرسي، رجل على رجل، بتفرج على المشهد ده ببرود تام.
مفيش دمعة واحدة نزلت من عيني. حسيت كأن ربنا سبحانه وتعالى بيوريني عدالته لايف قدام عيني في نفس الليلة، من غير
ما استنى سنين في المحاكم. الاڼتقام مكنش محتاج مني مجهود، هما اللي ولعوا في بعض، والڼار اللي ۏلعوها عشان ېحرقوني بيها، مسكت في ديولهم وحرقتهم هما الأول.
المقدم حسام شاور للعسكري خد المدام على حجز السيدات واعملها كشف طبي في المستشفى عشان الحمل، واعمل إشارة لمديرية الأمن بضبط المتهمة التانية في قضية الڼصب، والباشمهندس ده يتحط في الحجز على ذمة محضر السړقة والتزوير اللي المتر هيفتحه دلوقتي.
ياسمين وهي بتتجر برة المكتب كلبشوها، بصتلي بعيون كلها كره وقالت بصوت مفحوح مش هتهني يا نادية… مش هتهني بحاجة!
رديت عليها بمنتهى الثبات والهدوء أنا متهنية من اللحظة اللي ربنا كشفكم
فيها،
الغلبان اللي في بطنك إنه هيتولد يلاقي أمه وأبوه في الكلبشات.
خرجت ياسمين وهي بټعيط پهستيريا حقيقية المرة دي، مش تمثيل.
وكريم كان مربوط في الكلبش في زاوية المكتب، باصص للتراب، مش قادر يرفع عينه في عيني. فضل يزحف على ركبه ناحيتي وهو بيبكي نادية… أرجوكي يا نادية، ابوس إيدك ورجلك سامحيني! أنا اتعميت، اتسحرت، الشيطان وزني! حماتي هي اللي قالتلي اتجوز عشان أخلف، أمي هي اللي خربت عقلي! متودنيش السچن يا نادية، أنا هديكي كل حاجة، هرجعلك كل مليم، بس بلاش حبس، ده هيدبحوني جوة!
بصيت له من فوق لتحت. ده الراجل اللي كنت بفتكر إنه حمايتي وسندي؟ ده الكيان
الهش الحقېر اللي كنت بنحت في الصخر عشان أكبر اسمه؟
وطيت لمستواه بهدوء، وقولتله بصوت واطي ومسموع عارف يا كريم، لو كنت جيتلي وقولتلي أنا نفسي في طفل ونفسي أتجوز، كان قلبي هيتكسر، بس كنت هديك نص شقايا وأسيبك تمشي باحترام وأتمنالك الخير. لكن إنت اخترت الغدر، اخترت تسرقني، وتتفق عليا مع أهلك، وتجيب رخيصة تقعدها على شقايا وتطردني برة بيتي. إنت مش في السچن عشان اتجوزت، إنت في السچن عشان رخيص وحرامي… واللي زيك ميتعاطفش معاه، ده يتداس عليه ويترمي.
قومت وقفت، وفتحت شنطتي وطلعت منها دبلة الجواز الدهب اللي كانت في صباعي من خمستاشر سنة. قلعتها من إيدي، ورميتها على
الأرض قدامه فرنت على البلاط ورقدت جنب ركبته دبلتك اهي… ابقى بيعها عشان تجيب بيها عيش وحلاوة في التخشيبة.
طارق خلص كتابة المحضر، والمقدم حسام أمر بوقف أي تعامل على شقتي فورا وإرسال إخطار للبنوك والشهر العقاري بالحجز التحفظي وبطلان التوكيل لوجود شبهة تزوير واستيلاء، وده حمى الشقة وحساباتي من أي رهن بنكي قبل ما يتنفذ رسمي.
الساعة كانت داخلة على خمسة الصبح لما خرجت من القسم مع طارق.
الهوا كان ساقع، ريحة الفجر كانت نادية ونقية زي ما يكون ربنا بيغسل الدنيا كلها بعد ليلة ملوثة بالخېانة. النور كان طالع خفيف من ورا العمارات، لون السما الأزرق البارد كان بيملا
روحي براحة
وقف جنبي، وابتسم ابتسامة فخر ها يا باشمهندسة، شايفة وشك نور إزاي؟ كده الشقة في جيبك، الفلوس اللي اتحولت للشركة هتتحرز لحساب قضية الأموال العامة وهترجعلك بصفتك مجني عليها، وكريم وياسمين قدامهم من سبع لعشر سنين سجن مشدد. حقك جه لحد عندك وبالقانون.
أخدت نفس عميق… أعمق نفس أخدته في حياتي كلها، حسيت بصدري بيتملي أكسجين نظيف مكنتش بتنفسه من سنين الحمد لله يا طارق… الحمد
لله اللي نجاني من البير ده على خير.
هتروحي فين دلوقتي؟ تطلعي على بيتك ترتاحي؟
بصيت للشروق وابتسمت لأ… مش هروح البيت دلوقتي. أنا هعدي الأول على حماتي أمينة.
طارق استغرب وضحك حماتك؟! هتعملي إيه عند الولية دي على الصبح كده؟
مفيش… مش هما كانوا مستنيين مرات ابنهم الجديدة على الغدا ومجهزين العزومة ومستنيين يطردوني من الشقة؟ هروح بس أشرب فنجان قهوة الصباح معاها، وأسيب لها طبق اللحمة بالبطاطس اللي نسيته
عندها إمبارح، وأقولها إن ابنها ومراته الجديدة بيفطروا دلوقتي على حساب الحكومة، وإنها لازم تدور هي كمان على شقة تانية… عشان الشقة اللي هي قاعدة فيها في مصر الجديدة متسجلة باسمي، وأنا هطردها منها بكرة الصبح!
ركبت عربيتي، ودورت الموتور. دوست بنزين، وانطلقت في شوارع القاهرة الفاضية والشمس بتشرق في وشي، حاسة بخفة غريبة كأني طير كان محپوس في قفص خمستاشر سنة، والنهارده بس… اتعلم إزاي يفرد جناحاته ويطير




