
مش هتردد ثانية واحدة!
حماتي مسكت تليفونها بإيد مرتعشة، وشغلت الواتساب، وبصوت باكي ومكتوم، سجلت الفويس.. قالت فيه كل كلمة طلبتها، وبرأتني قدام العيلة كلها، وقالت إن فوزية كانت صاحبة الفكرة الصح وإنهم هما اللي اتسرعوا وسوء التفاهم جه منهم، وإنها بتعتذر لها قدام الكل عشان هي ست العارفين وأول واحدة تشيل البيت في الأزمات.
شفت الرسالة بتنزل على الجروب، وشفت الردود بتبدأ تنهال بذهول واستغراب، بس محدش قدر ينطق بكلمة لإن صاحبة البيت هي اللي اتكلمت.
قومت وقفت، عدلت دريسي وطرحتي، وبصيت لها بابتسامة خفيفة وقولت
عن إذنك يا ماما.. ألف مبروك خطوبة سلفي، عقبال ما نرد الواجب في الفرح بالطريقة اللي تليق بينا.
خرجت من العمارة والهوا البارد كان بيخبط في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. روحت شقتي، دخلت وقفلت الباب، وكنت مستنية الجولة التانية.. جولة محمود.
على العصر، دخل محمود البيت، وشه كان مخطۏف، والتليفون في إيده باصص فيه ومش مصدق الرسالة اللي أمه نزلتها على الجروب. دخل عليا الأوضة ولقاني قاعدة
بكتابي، رايقة وهادية تماماً وكأن مفيش حاجة حصلت.
وقف مكانه، وبلع ريقه، وقال بصوت واطي ومتردد
انتي.. انتي عملتي إيه في أمي يا فوزية؟ أمي نزلت الرسالة دي إزاي؟ إنتي روحتيلها؟
قومت وقفت وقربت منه لحد ما بقت عيني في عينه، وقولتله بنبرة حازمة
عملت اللي المفروض كنت انت تعمله كرجل البيت.. رجعت كرامتي اللي بعتوها في سوق النخاسة برخيص. أنا مأذتش حد، أنا بس وريت كل واحد حجمه الحقيقي. وإنت يا محمود.. لو مش قادر تكون راجل يحميني ويصون غيبتي ويقف في وش الغلط حتى لو من أمه، يبقى كل واحد يروح لحاله بالمعروف، بيتك اهو وكرامتي معايا، اختار انت عايز تكمل حياتك مع ست ليها هيبة، ولا عايز ترجع لحضن أمك تسمع كلامها وتخرب بيتك بإيدك؟
محمود اټصدم، كان متعود مني على الخنوع والسكوت والعياط في الأركان، مكنش متخيل إن القطة المغمضة بقى عندها مخالب تقدر تقلب الموازين. حس بغلطته وشاف إن الموضوع كان ممكن يوصل لخړاب كامل وڤضيحة لأهله كلهم، قرب مني ونزل راسه وقال بصوت مكسور
حقك عليا يا فوزية.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، وأمي هي
اللي سخنتني، بس أنتي مراتي وأم بيتي وكرامتك من كرامتي، أوعدك الكلام ده مش هيتكرر تاني أبداً، ولا مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمسك بكلمة بعد النهاردة.
بصيت له وعرفت إن الضړبة كانت كافية تعلمه درس عمره ما هينساه. مكنتش عايزة أهدم بيتي، بس كنت عايزة أبنيه على أساس سليم، أساس مفيش فيه حد يدوس على التاني.
ومرت الأيام، وجت عزومة أهل العروسة الرسمية، اتعزمت في أفخم مطعم زي ما اتفقت مع حماتي، دخلت وأنا رافعة راسي، لابسة ومظبطة، وحماتي كانت بتقوم تقعد
معايا وتبتسم في وشي ابتسامات كلها خوف واحترام، والعروسة وأهلها اتعاملوا معايا بكل تقدير لإنهم شافوا الست الكبيرة بنفسها بتعملي ألف حساب.
اتعلمت من التجربة دي درس مش هنساه عمري كله إن الطيبة والجدعنة نعم من عند ربنا، بس لو استعملتهم مع ناس قلوبهم مليانة غل وقلة أصل، هيبقوا هما الحبل اللي هيشنقوك بيه. الحق مبيجيش بالدموع ولا بالضعف والشكوى، الحق بيتاخد بالثبات والعقل، واللي ېخاف على كرامته لازم يخلي الناس تعرف إن للصبر حدود، وإن اللي يزرع شړ، لازم يدوق من نفس
الكاس لحد آخر قطرة.




