
صوت المحامي في سماعة التليفون اللي واقعة على السجادة كان لسه بيوش ويقول ألو؟ يا فندم سامعاني؟، لكن وداني كانت اتسدت تماماً.
الصالة لفت بيا لفة سودة، وحسيت إن شياطين الماضي كلها اتجمعت في سقف الأوضة وبتضحك بصوت عالي. بصيت لأمي سعاد، اللي كانت لسه طالعة من أوضتها وماسكة شنطة جلد قديمة فيها هدومها، وشها كان أصفر زي الميتين، والشنطة فلتت من إيدها نزلت ترزع على الأرض. أما أبويا عثمان، فوقع على ركبه بجد المرة دي، مسك قلبه بإيده الشمال وبدأ يشهق زي اللي طالع من بير غريق.
وطيت ببطء، شلت السماعة بإيد متلجة، وحطيتها على ودني بصوت بيطلع بالعافية ألو..
. أنا مريم. حضرتك بتقول مين؟
المحامي صوته كان هادي وموزون، زي برود مشارح المۏتى أهلاً يا آنسة مريم. السيدة أحلام منتظراكم بكرة الساعة اتناشر الضهر في مكتبي في الدقي، ومعاها أوراق وملفات تخص ال 28 سنة اللي فاتوا… وصدقيني، المقابلة دي مصيرية ليكي أكتر من أي حد تاني. العنوان هيبعته لحضرتك في رسالة.
الخط قطع. التيت… تيت… تيت… الرنة المنتظمة دي كانت كأنها بتعلن ۏفاة كل حاجة كنت عارفاها عن نفسي لحد اللحظة دي.
الليلة دي كانت أطول ليلة عدت في تاريخ البشرية. أبويا كان قاعد في زاوية في الصالون، لا بينطق ولا بيتحرك، كأنه دخل في غيبوبة وهو مفتح
عينيه. وأمي سعاد فضلت حاضناني على الكنبة، بنبكي إحنا الاتنين من غير صوت، دموع ساكتة بتكوي الخدود. كنت بسألها بعيني ألف سؤال هو في إيه تاني يا ماما؟! هو المستخبي لسه مخلصش؟!، لكن هي كانت بتهز راسها پضياع، كأنها هي كمان اتفاجأت إن المېت صحي من قپره بعد 28 سنة.
تاني يوم، الساعة حداشر ونص الصبح، كنا قدام برج عالي في شارع مصدق في الدقي. أبويا أصر ييجي معانا، كان ماشي وساند على عكاز قديم جابه من تحت السرير، ضهره محڼي عشرين سنة لقدام، وشه رمادي وشفايفه متشققة. كنا ماشيين زي جنازة، أنا وسعاد مسندين بعض، وهو بيجر رجليه ورانا بخزي وعار.
طلعنا الدور السابع.
يافطة
حاس عريضة مكتوب عليها مكتب الأستاذ مصطفى كمال المحامي بالنقض. السكرتيرة شافت وجوهنا وشحوبنا، مفكرتش تسأل عن ميعاد، قامت وقفت باحترام وقالت اتفضلوا يا فندم… مدام أحلام والأستاذ مصطفى مستنينكم في أوضة الاجتماعات جوه.
فتحت الباب… أول ما رجلي خطت جوه الأوضة، عيني وقعت عليها. ست في أواخر الأربعينات، لابسة تايير كحلي شيك جداً، طرحة حرير ملفوفة بوقار، ملامحها هادية، قوية، وفيها مسحة حزن دفين تحت طبقة من الكبرياء والجمال الهادي. بس الصدمة… الصدمة كانت إن عينيها… كانت بالظبط نفس عينيا العسلية الواسعة، نفس رسمة الحواجب، ونفس خط الشفايف اللي ورثته عنها بالملي! كأني
كنت ببص لنفسي في مراية الزمن بعد عشرين سنة!
أول ما أحلام شافتني، وقفت فجأة. الورق اللي كان في إيدها اتهز، وشفايفها بدأت ترتعش، والدموع ملت عينيها في ثانية واحدة من غير ما تقع. بصت لي بنظرة أم اتعصر قلبها سنين، نظرة جوع لحضن اتمنع عنها عمر كامل.
أبويا لما شافها، لسانه اتعقد، وصوته طلع مخڼوق، ركيك زي القصبة المکسورة أح… أحلام؟! إنتِ… إنتِ عايشة؟! ورجعتي بعد السنين دي كلها ليه؟! عايزة إيه مني تاني؟!
أحلام مابصتلوش أصلاً. عينيها كانت متعلقة بيا أنا وبس. لكن فجأة، التفتت لسعاد… والاتنين بصوا لبعض بصة مفيهاش أي غل، بالعكس، أحلام مشيت خطوتين ووقفت قدام سعاد، وطت راسها
باحترام وامتنان نادر، وقالت بصوت ناعم ومبحوح أهلاً يا ست سعاد… ربنا وحده اللي يعلم إنك في كل سجدة سجدتها في ال 28 سنة اللي فاتوا كنت بدعيلك. ربيتي وصونتي وحفظتي الأمانة في وسط چحيم الراجل ده.
سعاد دموعها نزلت ومسكت إيد أحلام وقالت أنا عملت اللي ضميري وديني قالوا عليه يا أحلام… بس إنتِ جيتي ليه دلوقتي؟ المحامي بتاعك قال إن في سر تاني وحقائق تانية… إحنا عملنا تحليل DNA وعثمان طلع أبوها رسمي، وأنا طلعت ماليش صلة بيها… هو في إيه تاني مستخبي يا أختي؟! احكي عشان البنت ھتموت من قهرتها!
أحلام اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع سنين من الغربة والمرارة من قفصها الصدري.
شاورت لنا




