
محمود حس إن الأرض بتتهز من تحته لما سمع اسم ابنه كريم على لسان حسام لكنه قرر ما يستعجلش المواجهة قبل ما يعرف الحقيقة كاملة.
خرج من المطعم واتصل بالمحامية سارة وقال لها عايز كشف حساب كل فرع وكل تحويلة مالية بتحصل من غير ما حد يحس.
وفي نفس الوقت كانت منى واقفة قدام حسام ودموعها في عينيها.
قالت له أنا عندي طفل بصرف عليه إزاي تفصلني بالشكل ده؟
رد ببرود دي مش مشكلتي.
وفجأة محمود رجع ودخل المطعم وقال لحسام أنا عايز أتكلم معاك.
حسام بص له باحتقار وقال إنت لسه هنا يا راجل؟
محمود رد بهدوء أنا شوفتك بتاخد تعب الموظفين وتهينهم والموضوع مش هينتهي كده.
حسام ضحك وقال إنت هتعمل إيه يعني؟
محمود ابتسم وقال هتعرف قريب.
بعد ساعات اتصلت المحامية سارة وقالت له إنها لقت تحويلات غريبة بمبالغ كبيرة بتخرج من حساب المطعم لحساب شركة وهمية.
لكن الصدمة كانت إن الشركة مسجلة باسم كريم ابن محمود.
محمود سكت للحظات وقال لها ابعتيلي كل المستندات ومتواجهيش حد.
وفي اليوم التالي دخل محمود المطعم بنفس هدومه القديمة ومعاه فاطمة ومنى.
حسام أول ما شافهم قال بصوت عالي إنتوا رجعتوا تاني ليه؟
محمود حط ملف كبير على المكتب وقال له افتح الملف ده واقرأ اللي جواه.
حسام فتح أول ورقة ولما شاف التوقيع اتغير لون وشه.
لأن التوقيع كان توقيع كريم ابن صاحب المطعم.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الورقة اللي بعدها.
كان فيها اسم فاطمة وتحويل بمبلغ ضخم اتعمل من حسابها من غير علمها.
وفجأة باب المطعم اتفتح ودخل كريم بنفسه وقال بصوت غاضب:
بابا إنت بتعمل إيه هنا؟
محمود بص له وقال:
كنت فاكر إني داخل أكتشف استحواذ على حقوق موظفين لكن واضح إني هكتشف إن ابني مخبي عني سر أكبر بكتير.
كريم بص لحسام واتبادلوا نظرة سريعة.
وفي اللحظة دي محمود فهم إن الاتنين مش خايفين من الحسابات.
هما خايفين من سر قديم لو اتكشف هيدمر العيلة كلها.
كريم قرب من أبوه وقال بعصبية إنت مصدق كلام ست عجوزة وجرسون ضد ابنك؟
محمود رد بهدوء أنا مصدق الورق اللي قدامي وعايز أسمع منك تفسير.
حسام حاول يتدخل وقال يا أستاذ كريم ده الراجل دخل علينا متنكر وبيهددنا.
محمود بص له وقال أنا صاحب المطعم يا حسام.
حسام اتجمد مكانه والملف وقع من إيده.
كريم حاول يضحك وقال بابا أكيد فيه سوء تفاهم.
لكن المحامية سارة دخلت ومعاها اتنين من المحاسبين وحطت ملفات جديدة على الترابيزة.
وقالت لقينا تحويلات بمبلغ 3 مليون و800 ألف جنيه خرجت من حسابات المطاعم لشركة وهمية واتضح إن حسام كان بيخصم فلوس الموظفين وبيحولها لنفس الشركة.
محمود بص لابنه وقال وإنت كنت عارف؟
كريم سكت ووشه اتغير.
فاطمة اتقدمت خطوة وقالت أنا مش عايزة غير حقي يا بيه أنا تعبت 30 سنة ومش عايزة أضيع من غير علاجي.
محمود مسك إيدها وقال حقك هيرجع كامل.
وفجأة كريم انفجر في الكلام وقال إنت مش فاهم يا بابا أنا عملت كل ده عشان أسدد ديون قديمة.
محمود سأله ديون إيه؟
كريم بص لحسام وكأنه بيطلب منه يسكت لكن حسام اتكلم وقال خلاص يا كريم قوله الحقيقة.
وبعد لحظات طلع حسام صورة قديمة من درج المكتب وحطها قدام محمود.
محمود أول ما شاف الصورة وشه شحب.
كانت صورة لمراته نادية وهي واقفة جنب فاطمة من 44 سنة.
لكن الغريب إن خلف الصورة كان مكتوب بخط مراته:
لو محمود عرف الحقيقة عن ابنه لازم يعرف إن كريم مش ابنه البيولوجي.
محمود حس إن نفسه اتسحب منه وبص لفاطمة وقال بصوت مرتعش:
إنتي كنتي عارفة الكلام ده من إمتى؟
فاطمة دموعها نزلت وقالت:
أنا اللي وعدت نادية إني مخبيش عليك السر للأبد لكن هي طلبت مني أستنى لحد ما تكون مستعد تسمعه.
وفي اللحظة دي كريم قال بصوت عالي لفاطمة:
اوعي تكملي وإلا هتندمي على اللي هتقولي عليه لأن اللي حصل من 44 سنة مش زي ما إنتوا فاكرين.
محمود وقف مكانه مش قادر يستوعب اللي سمعه وبص لفاطمة وقال لها أنا عايز الحقيقة كلها حتى لو هتوجعني.
فاطمة مسحت دموعها وقالت له يا محمود نادية كانت حامل قبل ما تتجوزك وكانت خايفة تقولك لأنها كانت عارفة إنك بتحبها ومش هتسيبها أبدا لكن حصلت مضاعفات وخسرت الطفل وبعدها بفترة قصيرة اتبنت كريم وهو لسه رضيع.
محمود بص لكريم وقال يعني إنت مش ابني بالدم لكن أنا ربيتك طول عمري على إنك ابني.
كريم نزل عينه وقال أنا عرفت الحقيقة من سنتين لما لقيت أوراق التبني في خزنة أمي وبدل ما أواجهك خفت أخسر كل حاجة.
محمود سأله وعشان كده أخدت فلوس الموظفين؟
كريم رد بعصبية أنا كنت محتاج الفلوس عشان أسدد ديون شركتي وخفت أعرفك إني خسرت استثماراتي.
محمود قال له بصوت حزين كنت ممكن تخسر فلوسك وتفضل ابني لكنك اخترت تأخذ حقوق الناس وتكسر كرامتهم.
حسام حاول يهرب من المكتب لكن المحامية سارة وقفت قدامه وقالت الجهات المختصة في الطريق وكل المستندات اتسلمت للجهات المختصة.
بعد أيام أثبتت التحقيقات وجود تلاعب في المرتبات وتحويلات مالية غير قانونية وتم استرداد جزء كبير من الأموال وبدأت الإجراءات القانونية ضد حسام وكل من شارك في الواقعة.
أما كريم فمحمود قرر يوقفه عن الإدارة لحد ما التحقيقات تخلص وقال له:
أنا مش هقدر أحميك من نتيجة أفعالك لكن عمري ما هتمنى لك الشر.
ورجع محمود لفاطمة وقال لها فاكرة اليوم اللي أكلتيني فيه وأنا ماكنش معايا تمن رغيف؟
ابتسمت وسط دموعها وقالت فاكرة يا ابني كنت جعان وتعبان وكنت بتقول لي هتعوضيني لما ربنا يفتحها عليك.
محمود مسك إيديها وقال النهارده جه وقت التعويض.
رجع لها كل مستحقاتها ودفع تكاليف علاجها وخصص لها معاش شهري يكفيها تعيش من غير خوف.
أما منى فرجعها لشغلها واعتذر لها قدام كل العاملين ورفع مرتبها وضمن مصاريف تعليم ابنها يوسف.
وبعد شهر عمل محمود اجتماع لكل الموظفين وقال لهم:
من النهارده مفيش موظف هيتخصم من مرتبه جنيه من غير تحقيق ومفيش مدير هيستخدم سلطته عشان يهين حد واللي يشوف ظلم ويسكت مش هيكون شريك في النجاح.
وفي نهاية اليوم راح محمود لقبر مراته نادية وحط وردة وقال لها:
سامحتك يا نادية وفهمت إن العيلة مش دايما دم العيلة هي اللي بتختار تفضل جنبك وقت الشدة.
وبعد ما رجع المطعم لقى فاطمة مستنياه على نفس الترابيزة اللي كان قاعد عليها يوم ما دخل متخفي.
حطت قدامه طبق عدس وابتسمت وقالت:
المرة دي الأكل عليا يا محمود.
ضحك لأول مرة من قلبه وقال لها:
المرة دي أنا اللي هدفع الحساب كله.
ومن يومها بقى مطعم ليالي النيل معروف بحاجة أهم من الأكل الحلو بقى معروف إنه المكان اللي مفيهوش حد بيتذل عشان فقير أو محتاج.
أما كريم ففضل ابنه رغم كل اللي حصل لكن محمود فهم أخيرا إن اللي بيحمل اسمك مش شرط يكون سندك وإن الغريب اللي يمد إيده وقت الشدة ممكن يكون أقرب ليك من أقرب الناس.
لأن الفقر مش عيب يا جماعة العيب الحقيقي إن الإنسان يكون معاه كل حاجة وما يكونش عنده رحمة ❤️




