منوعات

مكنه الخياطه القديمه لجدتي ج 1 حكايات منى السيد

الفصل الأول

خدي المكنة دي، يمكن تأكلك عيش.. إنما بيتي مش ملجأ ليكي….!!! ابن عمها قفل الباب في وشها وسابها في الشارع هي وبنتها، إلهام افتكرت إنها خلاص وصلت لآخر درجة من الانكسار.. لكن لما جرجرت مكنة الخياطة القديمة الصدئة لحد عشة ورا الجامع، واكتشفت إن جواها سر مستخبي من أكتر من ٤٠ سنة….!!!!

تراب الطريق كان بيعفر في وشها زي أثر قديم كل ما تشد شنطتها المقطوعة على الأرض الناشفة. شمس الصعيد كانت نازلة فوق نفوخهم مابترحمش، شمس حامية وواقفة مكانها كأن السما بتتفرج عليهم وهما بيتعبوا ومن غير ما تتهز لها شعرة. جنبها كانت نسمة، بنتها اللي عندها سبع سنين، ماشية وماسكة في حضنها عروسة قماش مقطوعة وعينها مخلوعة. البنت لا كانت بتبكي، ولا بتشتكي، ولا حتى طلبت تشرب أو تاكل..

بقلم مني السيد

والسكوت ده كان بيقطع في قلب إلهام أكتر من أي إهانة؛ لأن عيلة صغيرة زي دي مكنش ينفع تتعلم بالسرعة دي إزاي تبلع جوعها وتداري قلقها.

بقيتهم تلات أيام ماشيين من بلد لبلد، يركبوا مواصلات على الماشي، وينزلوا لما السواق يزهق منهم، يناموا مطرح ما الليل يليل عليهم، وياكلوا لقمة ناشفة لو لقوا، ولو ملقوش يناموا خفيف…حصري على صفحة روايات و اقتباسات

كل ده عشان صاحب البيت في الفيوم طردهم بقلب حجر لسه وجعه مسمع في روحها…..

شهرين مأخرة الإيجار يا ست إلهام.. أنا مش فاتحها ملجأ، ده اللي قاله وهو بيرمي هدومها القليلة على الرصيف كأنها مهملات.

وهناك، انتهت الحياة اللي كانت فاكرة إنها أمان….

من تلات سنين، إلهام كان عندها شقة مستورة، وروتين، وشغلانة سكرتارية، وجوز بيحلف لها بالحب كل أذان مغرب. وبعدين خالد اختفى في ليلة، من غير لا سلام ولا كلام، ولا حتى بص بصلة أخيرة على بنته وهي نايمة. وبعدها عرفت الحقيقة المرة ست تانية، وبيت تاني، وعيال تانية..

ساب لها هي الديون، والأسئلة، وحديث لازق في جلدها مابتطلعش….دلوقتي، وفي وسط الطريق الناشف ده، مكنش مسندها غير إيد نسمة الدافية، وريحة أمل أخيرة.

يا ماما.. هو لسه فاضل كتير؟، البنت سألت بصوت واطي بيحاول يستقوى….

إلهام بلعت ريقها المر، كانت زوارها ناشفة، وقلبها مطحون، وكرامتها مهدورة.. بس أجبرت نفسها تبتسم.

أيوه يا روحي، خلاص قربنا نوصل لبيت أستاذ مدحت ابن عمي.. هو اللي هيقف جنبنا…

بقلم مني السيد

وده كان نص قول.. مكنتش عارفة مدحت لسه عايش هناك ولا لأ، ولا هيفتح الباب ولا هيطردها، ولا حتى لسه فاكرها بالخير ولا نسيها. كل اللي كانت عارفاه إن اسمه هو المفتاح الأخير اللي شايلة ريحته في ذاكرتها.

لما وصلوا للبيت، نسمة خافت وقفشت في هدوم أمها. البيت كان باين عليه العز جنينة واسعة، عربية مركونة بتلمع، وسور عالي. كل اللي ناقصهم كان موجود هناك.. سقف وأمان. إلهام حاولت تلم شعرها بإيدين مرعوشة، ونفضت التراب عن جيبتها، ومسحت ل نسمة هبابة تراب كانت على خدها.

افتكر يا حبيبتي، سلمي بأدب، وما تطلبيش حاجة، وخليكي ساكتة جنبي….

بقلم مني السيد

خبطت إلهام على الباب تلات خبطات.. كل خبطة كانت بترن في صدرها كأنها بتخبط على باب الرحيل.

الباب اتفتح.. وطلع مدحت بقى أتخن، وأقسى، وأبعد ما يكون عن قريبي اللي أعرفه. بص لها من فوق لتحت.. في الأول اتفاجئ، وبعدين اتضايق، وبعدين بان في عينه ضيق خلى الخوف يسري في عروقها.

إلهام؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟

وطلعت من وراه مراته، ست وشها شارد وماسكة في إيدها طرحة حرير، بصت ل نسمة وللشنطة المقطوعة ولجزمهم اللي غرقانة تراب، ولويت بوزها بقرف.

إلهام استجمعت كرامتها المتبقية وقالت

سامحني يا مدحت إني جيت من غير ميعاد.. أنا محتاجة بس لقمة ومكان ننام فيه كام يوم لغاية ما أشوف شغل. أنا أغسل، أطبخ، أخيط.. أي حاجة.

مكملتش كلمتها، وهو ضحك ضحكة صفرا

بقالنا سنين مانعرفش عنك حاجة.. حتى جنازة أبويا ماجيتيش فيها…

التهمة نزلت عليها زي الكرباج. ما راحتش لأن نسمة كانت بين الحياة والرحيل في المستشفى وقتها.. بس هتشرح لمين؟ لوشوش مابتفهمش غير لغة الفلوس؟

أرجوك يا مدحت.. أسبوع واحد بس، صوتها طلع مكسور، صغير، ومذلول.. وکرهت نفسها في اللحظة دي.

مراته نفخت وقالت بقلة ذوق

إحنا اللي فينا مكفينا، مش ناقصين محتاجين في البيت.

نسمة استخبت ورا رجل أمها، وإلهام حست إن فيه حاجة جواها غابت.. مش بس بسبب الإهانة، لكن عشان الكلمة اتقالت قدام بنتها. شافت في عيون البنت سؤال واجع

هو إحنا وحشين يا ماما؟.

مدحت فضل باصص لها لحظة، وفجأة ابتسم.. بس مكنتش ابتسمة رحمة، كانت ابتسامة سخرية.

بتقولي بتعرفي تخيطي، مش كده؟

أيوه.

طيب استني.

..

دخل البيت ورجع وهو بيجر حاجة متغطية بخرقة قديمة، ورماها على الأرض عملت صوت رزع وطلعت عفرة تراب.

خدي.. دي مكنة خياطة الست ستيتة جدتك. بقالها سنين مركونة في البدروم ومضيقة علينا المكان. لو بتعرفي تخيطي بجد، اديكي لقيتي شغلانة تآكلك عيش.

إلهام بصت للمكنة ومش فاهمة.. مكنة قديمة، صدئة، دي صدقة ولا تريقة؟

يا مدحت.. أنا محتاجة سقف يلمني أنا وبنتي.

هز كتافه ببرود

بيعيها، استعمليها، ارميها في البحر.. أنا عملت اللي عليا.

اللي عليك؟ إلهام قالتها والدموع بتغلي في عينها، هي دي مروءتك؟

ده اللي عندي، والباب يفوت جمل…

وقفل الباب في وشها… روايات و اقتباسات

رزعة الباب رنت في الشارع الفاضي، وفي قلب إلهام، وفي معدة بنتها الفاضية.

نسمة بصت لأمها وعينها مليانة دموع

يا ماما.. هنعمل إيه دلوقتي؟

إلهام نزلت على ركبها، مسحت دموع بنتها وقالت بصوت قوي وهي بتترعش من جوه

هنعديها يا قلب أمك.. والله لنعديها. أمك دايماً بتلاقي حل. حصري على صفحة روايات و اقتباسات

وهي بتحضن بنتها قدام الباب المقفول والمكنة الصدئة، مكنتش تعرف إنها بتقول الحقيقة.. مكنتش تعرف

إن المكنة دي مش بس حديد قديم.

المكنة دي كان فيها سر مستني ٤٠ سنة عشان ينقذ ست بتشبه الست اللي خبت السر ده زمان.. ست كانت بتمتلك نفس الصبر ونفس التعب….

بقلم مني السيد

إلهام قعدت ساعة تجر المكنة لغاية آخر الشارع. مكنة سنجر سودة بكنار دهبي باهت تحت التراب. تقيلة كأنها شايلة هموم الدنيا. نسمة كانت بتساعد بجر الشنطة وهي خايفة على أمها…

وصلوا لجامع صغير في آخر البلد، مئذنته قصيرة وشكله بسيط. خبطت إلهام على باب السكن، طلع لها عم الشيخ حسن، راجل كبير شعره أبيض وعينه فيها حنية تريح.

يا حاج.. مالناش حتة نبيت فيها الليلة.

الراجل بص لهم بصه أب، وقال

ادخلي يا بنتي، البيت بيت ربنا.

لما حكت له، اتنهد بتعب المكان اللي بننيم فيه الغربا مليان، بس فيه عشة ورا الجامع فيها مرتبة وغطا.. استري نفسك فيها الليلة، وبكرة يحلها الحلال…

العشة كانت ريحتها تراب وخشب، فيها شباك مكسور ومرتبة رقيقة.. بس بالنسبة لإلهام كانت قصر.

بكرة أفطركم بإذن الله.. ناموا دلوقتي،

قالها الشيخ حسن وسابهم.

لما بقوا لوحدهم، نسمة نامت من التعب وهي حاضنة عروستها. لكن إلهام مكنش جاي لها نوم. قعدت تبص للمكنة في ضلمة الليل.

فتكرت جدتها ستيتة وهي قاعدة قدام المكنة دي زمان، ضهرها مفرود، ورجلها بتدوس بانتظام، كأنها بتخيط جروح مش بس قماش.

الست اللي معاها صنعة مابتجوعش يا إلهام، دي كانت كلمة الجدة.

لمست إلهام الحديد الساقع، وحست بحاجة غريبة. قاعدة المكنة مكنتش بتطبل مش فاضية. لما هزتها، سمعت صوت حاجة بتتحرك جوه.. صوت مكتوم.

قلبها دق….حصري على صفحة روايات و اقتباسات

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى