منوعات

مكنه الخياطه القديمه لجدتي ج 2 حكايات منى السيد

الفصل الثاني

عربية مدحت السودة عدّت وسابت وراها سحابة تراب تقيلة غطت مدق البلد لدقايق، وإلهام فضلت واقفة ورا شباك العشة الخشب، عينيها مثبتة على قفا العربية لغاية ما غطست في الزحمة. ريحة الخوف اللي كانت بتشل ركبها امبارح اتبخرت، وحل مكانها حذر بارد عامل زي الشفرة الحامية؛ حذر ست اتلسعت من القريب قبل الغريب وبقت تقيس الخطوة بميزان دهب.

رجعت بصت لنسمة اللي كانت بتغمس حتة الجبنة القريش بلقمة العيش، ووشها الصغير رجع له شوية أثر بعد ما المية الساقعة غسلت تراب الشقا.

كلي على مهلك يا بتي، مفيش جري بعد النهاردة.

نزلت على ركبها جنب المكنة، ودخلت إيدها تحت تجويف الحديد، وسحبت الورقة من تاني بعيد عن عين البنت. الورقة دي مكنتش مجرد وصية كشكول عادية؛ دي كانت مطوية تلات تنيات، وفي ضهرها كلام مكتوب بقلم رصاص خفيف بس غارس في الورقة كأنه محفور بسن إبرة

والأرض البحرية اللي مدحت وأبوه بنوا عليها السرايا وكتبوها لعمارة.. أرض القيراطين اللي في حوض الزهار.. أصل عقدها الأزرق دافناه تحت عتبة أوضة الخزين في البيت القديم.

. إياك تسيبوا حقي يروح لمصطفى وولده، ده شقا أبويا اللي انضحك عليا فيه وأنا صبية.

إلهام بلعت ريقها، والخوف ضرب في نفوخها زي دقة طبلة. أرض السرايا؟ الجنينة الواسعة اللي كانت متباهية بيها مراة مدحت؟ السور العالي والعربية اللي بتلمع؟ كل العز ده مبني على أرض مسروقة من ستيتة؟! يعني مدحت مش بس رماها في الشارع وذلها، ده عايش ومنغنغ في شقا جدتها اللي رما مكنتها في التراب!

طبقت الورقة بحرص شديد، وحطتها في جيب جلابيتها الداخلي ودبستها بدبوس مشبك من بتوع الطرحة. طلعت من كيس الشاش غويشة واحدة بس من الأربعة، تقيلة ومحملة، ومسحتها في كم الجلابية لحد ما صفرتها لمعت في ضوء الشمس الداخل من الشباك، ولفت الباقي بإحكام ورجعته جوه تجويف المكنة وربطت المسامير بالراحة لحد ما الحديد قفل على بعضه بصوت تك مكتوم.

الشيخ حسن رجع على العصر، وكان ماسك في إيده مفتاح كبير مصدي مربوط في حتة سلك، وعلى وشه ابتسامة طيبة تفتح القلوب المقفولة.

يا ست إلهام، كلمت لك الحاج رضوان.. الراجل راجل بركة وقال لي ما دام غلبانة ووراها يتيمة، تدخل الدكان وتسترزق، ومنين ما ربنا يوسعها تدفع إيجاره، وإن ما دفعتش مسامحها دنيا وآخرة.

إلهام حست إن الأرض بتتشال من تحتها من كرم ربنا. نزلت دمعة سخنة مسحتها بسرعة وقالت الله يسترك دنيا وآخرة يا عم الشيخ حسن، وربنا يجعله في ميزان حسناتك.. بس أنا مبحبش أبات وفي رقبتي مليم لحد. أنا معايا حاجة من ريحة المرحومة أمي، هنزل البندر أفكها وأدفع حق الإيجار ست شهور مقدم، وأصلح المكنة وأجيب توبين قماش نشتغل بيهم.

الشيخ حسن هز راسه برضا، وقال لها عين العقل يا بنتي.. بس البندر حيتانه كتير، والصاغة هناك عنيهم زي الصقور، لو حسوا إنك غريبة أو مضطرة هيبخسوا بحق حاجتك الأرض. اطلعي على دكان المعلم زكي الجوهري في سوق القيسارية، قولي له أنا جاية من طرف الشيخ حسن بتاع جامع سيدي منصور.. الراجل ده مبيحطش في جيبه قرش حرام، وميزانه أعدل من ميزان العدل.

خدت إلهام الوصف تمام، ولبست نسمة طرحة صغيرة تغطي شعرها المنكوش، ونفضت هدومها على قد ما تقدر. مشيت ورا الشيخ حسن لحد ما وصلوا للدكان. كان في زقاق ضيق ورا سوق الخضار، دكان صغير حيطانه طوب أحمر قديم وبابه خشب شيش مطقطق من الشمس، بس كان له عتبة عالية وسقف صاج سليم ميسربش مية الشتا، وجواه بنك خشب عريض ينفع يتقص عليه القماش، وحتة مصطبة في الركن ممكن يتفرش عليها حصير ومخدة وتنام عليها هي والبنت مستورين ورا ستارة.

هنا قصرك يا بتي، والجامع بينك وبينه خطوتين، لو حسيتي بأي حاجة دقي على شباك الأوضة بتاعتي وأنا أجيلك بعكازي. تسلم يا راجل يا طيب، والله لو لفيت الدنيا ما كنت هلاقي أصلح منك ينجدنا.

سابت المكنة والشنطة المقطوعة جوه الدكان، وقفلت الباب الخشب بالضبة والمفتاح، وخدت نسمة في إيدها وطلعت على الموقف تركب عربية كبوت رايحة على البندر.

الطريق للبندر كان نص ساعة، بس عدى على إلهام كأنه دهر. إيدها مكنتش بتسيب جيبها اللي فيه الغويشة، حابسة عليها بين صوابعها كأنها ماسكة روحها. نسمة كانت باصة من شباك العربية المفتوح، عينيها بتلمع بفضول الأطفال وهي شايفة الزرع الأخضر بيجري جنب الطريق، ونسيت العياط والجوع لأول مرة من تلات أيام.

يا ماما، إحنا هنشتري ألوان؟ إلهام بصت لها وابتسمت من نص قلبها هنشتري ألوان، وعرايس، وجزمة جديدة، وفستان أحمر بكشكشة زي اللي كنتي بتشوفيه في فتارين المحطة.. بس اصبري عليا شوية يا قلب أمك.

وصلوا البندر، ودخلوا سوق القيسارية. السوق كان زحمة تدوخ دكاكين قماش مرصوصة على اليمين والشمال، حراير وتيل وشيفونات من كل لون، وصوت مداق الصاغة بيرن في الودان، والبياعين بينادوا على الزباين قربي يا ست العرايس.. القماش اللي على الفرازة وصل!.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى