منوعات

مكنه الخياطه القديمه لجدتي ج 1 حكايات منى السيد

جابت مفك قديم كان مرمي في العشة، ونزلت على الأرض وبدأت تفك المسامير الصدئة. المسامير كانت عنيدة، وإيدها اتحرحت ونزفت.. بس مأستسلمتش….

وبعد نص ساعة، وتحت ضوء شمعة صغيرة، قدرت تفتح الغطا اللي تحت…ولقت لفة قماش مشمع، مربوطة بدوبارة ناشفة…سحبت اللفة بإيدين بترتعش، وفتحتها..!!!

بقلم_مني_السيد

سحبت اللفة بإيدين بترتعش، وفتحتها.. وريحة خنقة السنين هبت في وشها زي البخور العتيق؛ ريحة جرايد صفرا ونفتالين وزمن كان الناس فيه بيستخبوا من غدر الزمن في بطن الحديد.

المشمع كان ملزوق في بعضه من الرطوبة، كل ما تشد طرف تطلع طقطقة ناشفة تشد أعصابها. قعدت على ركبها، ساندة ضهرها على حيطة الطوب الني بتاعة العشة، وعينها رايحة جاية بين اللفة وبين نسمة اللي كانت بتتنفس بنعومة، غرقانة في نومة عميقة كأنها بتهرب من كل المشاوير الطويلة والتراب اللي سكن مسام جلدها.

لما فكت الدوبارة الأخيرة، القماش اتفرد، ووقعت منه ورقة كراسة مسطرة ومتقطعة من الحواشي، مكتوبة بحبر كوبيا أزرق مسيل شوية من الرطوبة بس لسه الخط واضح، خط جدتها ستيتة اللي كانت بتكتب بيه أسماء الزباين وتواريخ ولادات العيال.

إلهام مسكت الورقة وقربتها من لهب الشمعة اللي كان بيرقص مع كل نسمة هوا داخلة من الشباك المكسور.. وقرت

لو وقعت المكنة دي في إيدك يا بت من بناتي، فاعرفي إن الدنيا ضاقت بيكي زي ما ضاقت بيا زمان. الراجل اللي يمد إيده ياخد ورث أمه وهي حية، مش هيستخسر يرمي لحمه في الشارع وهو ميت. دي مش صدقة من حد.. دي شقايا اللي استخسرته في عينيهم العمية.. ده حق المستورين.. خدي سرك وما تأمنيش لحد غير لربك ثم دراعك.

الكلام نزل على قلب إلهام زي المية الساقعة على جرح بيغلي. جدتها ستيتة غابت من يجي عشرين سنة، بس كأنها كانت شايفة من زمان إيه اللي هيجرى.. كأنها كانت عارفة إن عيالها وأحفادها من الرجالة هتكبر كروشهم وتصغر قلوبهم، وهيبيعوا الأصول ويسيبوا الولايا للشارع.

إلهام مدّت صوابعها جوه اللفة.. لمست ملمس ناعم وبارد، شاش قطن أبيض ملفوف بإحكام. رفعت الشاش براحة، وفجأة عينيها برقت، ونَفَسها اتحبس في صدرها لما النور عكس بريق مكنتش تتخيله في أفقر ليلة في عمرها..

أربع غوايش دهب عيار ٢١ بتوع زمان، تقال ومليانين نقوش ممسوحة شوية، وجنبهم ليرة دهب عثماني مخرومة بفتلة حرير سودا، ومطبوقة معاهم رزمة جنيهات ورقية قديمة من بتاعة السبعينات.. الفلوس الورق كانت دايبة وملهاش قيمة في السوق خلاص، بس الدهب؟ الدهب كان بيلمع كأنه لسه طالع من الجمر امبارح، مبيصدّيش ولا بيتعب زي قلوب الناس.

دموع إلهام نزلت من غير صوت، نزلت حارة غسلت كحل عينيها السايح وتراب خدودها.. مسكت الغوايش وضمتهم لصدرها بقوة. كانت بتترعش من ساسها لراسها مش من القلق، لكن من هيبة اللحظة.. يا رب.. يا رب أنت عالم إني ما طلبتش غير الستر، ومدحت رماني بالمكنة عشان يكسرني، وأنت باعت لي فيها طوق النجاة؟!

افتكرت ضحكة مدحت الصفرا وهو بيرمي المكنة في الشارع ويقولها بيعيها، استعمليها، ارميها في البحر.. أنا عملت اللي عليا.

مكنش يعرف الغبي

إنه رما لها كنز أمه وجدته وهو فاكر نفسه بيذلها بحتة حديدة صدئة. المكنة اللي استكتر عليها تمن شيلها في البدروم، شايلا لها بكرة وعمر جديد ليها ولبنتها.

بس في لحظة، مسحت دموعها بكم جلابيتها، وفجأة القلق ركبها..

أنا فين؟ أنا في عشة ورا جامع في بلد غريبة، والباب ده مبيتقفلش غير بضبة خشب مخلعة.. لو حد حس بحاجة، لو حد عرف إن معايا الدهب ده، هنروح في رجلين اللي يسوى واللي ميسواش.

قامت بسرعة، طفت الشمعة بنَفَس قلقان، وفضلت قاعدة في العتمة.. عنيها اتعودت على الضلمة ونور القمر اللي رامي خيوط فضة من الشباك. قعدت تلف الدهب تاني في الشاش والمشمع، بس المرة دي، فكرت بذكاء المكنة هي أأمن مكان.. محدش هيتوقع إن الكنز لسه جوه نفس الكهنة اللي مدحت رماها.

رجعت لفت المشمع، ودككته كويس في التجويف الحديد اللي تحت، وجابت المفك المكسور وبدأت تربط المسامير من تاني.. كل لفة مسمار كانت بتلف معاها خيوط عزيمة جديدة جواها. الست اللي كانت من ساعتين بتبكي على عتبة مدحت عشان لقمة عيش وسقف، مش هي الست اللي بتربط مسامير المكنة دلوقتي في عتمة الليل. الكسرة اتبدلت بصلابة غريبة، وعيونها اللي كانت مكسورة اترفعت لفوق.

الفجر شقشق، وصوت أذان عم الشيخ حسن في الميكروفون صحّى البلد كلها وصحّى روح إلهام من كابوسها. الله أكبر.. الله أكبر.. الكلمات نزلت على قلبها سکينة وأمان.

قامت توضت من الحنفية اللي برة الجامع على الصبحية، المية الساقعة طيرت النوم والتعب من وشها. رجعت العشة لقت نسمة بتفرك في عينها وبتبتسم بنعاس

صباح الخير يا ماما.. إحنا لسه هنا؟

إلهام حضنتها وباست راسها بوسة طويلة

صباح النور يا نور عيني.. هنا بس مش كتير، خلاص.. أمك لقت الطريق.

بعد الصلاة، عم الشيخ حسن جه وخبط على باب العشة براحة، وكان في إيده كيس فيه عيش سخن وقطعة جبنة قريش وطماطميتين

صباح الرضا يا بنتي.. خدي فطري البنية دي، وقولي لي نيتي على إيه؟ لو ليكي حد نبعت له، أو لو عايزة ترجعي بلدكم نتصرف في تذكرتين قطر.

إلهام وقفت، ضهرها مفرود ومفيش في صوتها ريحة الانكسار بتاعة امبارح

ربنا يبارك في عمرك يا عم الشيخ، الفضل لله ثم لك.. بس أنا مش راجعة، ولا ليا حد غير اللي خلقني وبنتي دي. أنا سألت عليك وعرفت إنك بتصلح كراسي الجامع والحاجات الخشب.. تعرفلي حد هنا أمين يصلح مكن الخياطة؟ مكنة ستيتة جدتي دي مبرومة صدأ بس الموتور اليدوي بتاعها لسه بيعافر، وأنا إيدي فيها الصنعة، وعايزة أجر حتة دكان صغير أو حتى أوضة في أول البلد أسترزق منها بالخياطة.

الشيخ حسن بص للمكنة القديمة وبص للست اللي عنيها بتقد شرار عزم، وهز راسه بإعجاب

اللي يتكل على دراعه يا بنتي ما يضيعش أبدًا.. والبلد هنا حريمها بيسافروا البندر عشان يفصلوا جلابيبهم.. لو شطارتك تسد، ربنا هيفتحها في وشك فتوح العارفين. وفيه ورا السوق دكان صغير بتاع الحاج رضوان قافله من يوم ما عجز.. إيجاره مليمين، وأنا أكلمهولك فيه.

ابتسمت إلهام، وحطت إيدها على خشب المكنة.. حست بيها دافية كأن روح جدتها ستيتة لسه قاعدة عليها.

بصت للسما وقالت في سرها مدحت قفل بابه.. بس المكنة فتحت أبواب مبتقفلش.. ولسه، لسه الحكاية بتبدأ يا ابن عمي.. وبكرة هتشوف بعينك مين اللي كان محتاج ومين اللي هيشتري البلد كلها.

نسمة قطعت حتة عيش ومدتها لأمها وهي بتضحك

كلي يا ماما.. العيش سخن وحلو أوي.

أخدت إلهام اللقمة وأكلتها، وكان طعمها أول طعم للحرية تدوقه من سنين.. بس وهي بتبص على مدخل البلد من الشباك، شافت عربية مدحت السودة معدية في الطريق الرئيسي ورايحة ناحية البندر.. وقفت للحظة، وحست برعشة غريبة في قلبها؛ السر اللي لفته بإيدها جوه المكنة مش بس دهب.. الورقة اللي لقتها كانت شايلا حتة تانية من الحكاية.. حتة لو مدحت عرفها، البلد دي كلها هتقوم ومش هتقعد!

يتبع

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى