
وفيه أمر قديم اتسجل باسمك… بيقول إنه لو القسط اتأخر الليلة، يتنفذ الإجراء قبل الفجر.”
نظر أدهم ببطء إلى سارة…
كانت قد عادت لتنظيف الأرض، غير مدركة أن الرجل الذي يقف أمامها…
هو نفسه صاحب القرار الذي قد يغيّر حياتها كلها خلال ساعات.
أغلق أدهم الهاتف ببطء.
لم ينطق بكلمة.
ظل ينظر إلى سارة وهي تدفع عربة النظافة نحو الممر التالي، وكأن شيئًا لم يحدث.
لم تكن تعلم…
أن حياتها انقسمت إلى ما قبل هذه اللحظة وما بعدها.
قال للحارس الواقف خلفه:
“هاتلي ملف الدين كامل… خلال خمس دقايق.”
هز الحارس رأسه وغادر راكضًا.
أما سارة، فرفعت دلو الماء بصعوبة، وانسكب جزء منه على الأرض.
تنهدت وهي تتمتم:
“يا ساتر… لو المشرف شاف كده هيخصم نص اليومية.”
وقبل أن تنحني لتنظفه…
وجدت رجل البدلة السوداء ينحني أمامها.
أخذ منها الدلو بكل هدوء.
اتسعت عيناها.
“يا فندم… سيبه، ده شغلي.”
أعاد الدلو إلى العربة دون أن ينظر إليها.
ثم قال:
“متتعبيش ضهرك.”
ابتسمت بخجل.
“شكراً.”
وغادرت.
وقف أدهم مكانه يراقبها حتى اختفت خلف زاوية الممر.
—
بعد عشر دقائق…
دخل طارق إلى مكتب أدهم وهو يحمل ملفًا بنيًا سميكًا.
ألقاه فوق المكتب وقال:
“ملف البنت.”
فتح أدهم الملف.
الاسم:
سارة محمود عبد الرحيم.
العمر:
ستة وعشرون عامًا.
الوظيفة:
عاملة نظافة.
ثم انتقل إلى الصفحة التالية.
تقرير التحصيل.
توقف عند أول سطر.
المدين الحقيقي: كريم محمود عبد الرحيم.
القيمة الأساسية:
مليون جنيه.
الفوائد والغرامات:
مليون ومائتا ألف جنيه.
إجمالي المطلوب:
مليونان ومائتا ألف جنيه.
رفع عينيه ببطء.
“إزاي مليون بقت اتنين وربع تقريبًا؟”
رد طارق بلا مبالاة:
“فوائد تأخير.”
قلب أدهم الصفحة التالية.
وجد تقريرًا مصورًا.
صورة ليد كريم وقد تغير حالها.
وصورة أخرى لسارة وهي تخرج من أحد البنوك حاملة ظرفًا صغيرًا.
وتحتها تعليق بخط أحد رجاله:
“بتدفع كل مرتبها… ولسه مكملة.”
ظل يقرأ.
ثم توقف فجأة عند آخر تقرير.
“الهدف رفض الهروب مرتين… وطلب مهلة بدل ما تهرب.”
أغلق الملف بقوة.
“مين المسؤول عن الملف ده؟”
قال طارق:
“رأفت.”
ضغط أدهم زر الاتصال الداخلي.
“خلي رأفت يطلعلي حالًا.”
—
بعد دقائق…
دخل رأفت.
رجل ضخم الجسد، تبدو على وجهه آثار مواقف كثيرة.
ابتسم بثقة.
“أوامرك يا باشا.”
ألقى أدهم الملف أمامه.
“إنت اللي ماسك التحصيل؟”
“أيوه.”
“ليه الفوايد بالشكل ده؟”
ضحك رأفت.
“علشان يتعلموا.”
سأله أدهم:
“والبنت؟”
“دي؟”
ابتسم باستهزاء.
“كل شهر تيجي تدفع وهي مكسوفة تطلب مهلة.”
ثم أضاف ضاحكًا:
“بصراحة… عندها كرامة زيادة.”
ساد الصمت.
اقترب أدهم منه خطوة.
“أوقفتم أخوها؟”
“مرة واحدة.”
“أوقفتم قدرته على العمل؟”
“كان لازم يعرف إن الدين مش لعبة.”
رفع أدهم رأسه.
نظر إليه نظرة باردة جعلت الابتسامة تختفي من وجه رأفت.
قال بصوت منخفض جدًا:
“أنا قلتلك توقف قدرته؟”
تردد رأفت.
“لا… بس إحنا فهمنا إن…”
قاطعه أدهم.
“إنت فهمت غلط.”
ثم ضغط الزر مرة أخرى.
دخل أربعة من الحراس.
أشار إليهم دون أن يرفع صوته.
“اسحبوا الأداة منه.”
تجمد رأفت.
“باشا؟”
ثم جاءت الجملة التي جعلت الدم يهرب من وجهه.
“من النهارده… إنت موقوف عن أي شغل يخص اسمي.”
حاول الاعتراض.
“بس يا باشا…”
“ولو لمست البنت أو أخوها بعد كده…”
اقترب أدهم حتى أصبح وجهه أمام وجه رأفت مباشرة.
“…هتعرف يعني إيه تعاقب واحد اشتغل تحت اسم الشافعي من غير إذن الشافعي.”
ابتلع رأفت ريقه.
ولأول مرة منذ سنوات…
خرج من مكتب أدهم وهو يشعر بالخوف.
—
في الوقت نفسه…
كانت سارة قد انتهت من ورديتها.
خرجت من بوابة الخدمة تحمل حقيبة قماشية قديمة.
وقفت تنتظر الأتوبيس.
أخرجت من جيبها عشرين جنيهًا فقط.
نظرت إليها بحزن.
“يكفوا مواصلات… وبكرة ربنا يسهل.”
لم تكن تعرف…
أن سيارة سوداء فاخرة كانت متوقفة على الجانب الآخر من الطريق.
وخلف الزجاج الداكن…




