
وسكت لحظة، وبعدين كمل: وفي حاجة أهم.. مفيش أي سجل طبي واضح ليها في النظام. سليم رفع عينه فورًا: يعني إيه مفيش سجل؟يعني كأنها عايشة من غير تاريخ طبي رسمي، أو متسجلة باسم تاني قبل كده.
الصمت وقع في المكتب، وسليم حس لأول مرة إن الموضوع أكبر من مجرد صدفة. في نفس الوقت، في أوضة مايا، عينيها بدأت تفتح تاني ببطء بس المرة دي بتوتر واضح في ملامحها. بصت حوالين الأوضة بسرعة، كأنها بتتأكد من المكان والصوت.
ولما لقت نفسها لوحدها، همست لنفسها بصوت واطي جدًا: لازم أمشي من هنا. حاولت تتحرك بس جسمها ما استجبش، غضب وخوف في نفس اللحظة. وفجأة الباب اتفتح، وسليم دخل وشه عليه هدوء لكن عينه مركزة عليها. لما شافها بتحاول تقوم وقف فورًا: على فين؟
مايا جمدت مكانها: أنا كويسة، لازم أمشي. سليم قرب خطوة واحدة من غير تهديد وبثبات: إنتي مش كويسة، والدكتور قال كده. هي ردّت بسرعة: أنا مش محتاجة دكاترة.. أنا محتاجة أخرج. الصوت كان فيه خوف مش غضب.
سليم لاحظ ده وسكت لحظة، وبعدين قال بهدوء مختلف: إنتي خايفة من إيه يا مايا؟ السؤال نزل عليها تقيل، وعينها تهربت منه: مفيش حاجة. لكن إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة طرف الملاية. سليم فهم إن “مفيش حاجة” معناها العكس تمامًا.
قعد على الكرسي جنبها تاني: مش هضغط عليكي، بس طالما أنا اللي جبتك هنا، يبقى على الأقل أكون عارف إنتي في أمان ولا لأ. . وفي حد بيأذيكي؟الجملة دي خلتها تبص له لأول مرة بتركيز كامل، وكأن السؤال لمس حاجة مدفونة جواها من سنين.
ومع إنها ما ردتش، بس دمعة واحدة نزلت من غير صوت. وقتها سليم فهم إن دي بداية حكاية أخطر مما كان متخيل. مايا مسحت دمعتها بسرعة كأنها اتخضّت منها: أنا قلت مفيش حاجة. سليم ما ضغطش، وقال: تمام، مش هسألك تاني دلوقتي..
بس في حاجة واحدة لازم تبقي عارفاها، إنتي هنا مش غصب عنك، ولو في حاجة مضايقاكي أنا مش هكون سبب ضغط عليكِ. بصت له بسرعة كأن الجملة غير متوقعة، فهي مش متعودة على حد يتكلم بالطريقة دي خصوصًا حد زيّه.
برا الأوضة، الموبايل رن؛ رقم من رجاله: سليم بيه، حاولنا نراجع الكاميرات في المطعم. البنت دخلت لوحدها مفيش أي حد كان معاها. . بس الواضح إنها كانت بتتهرب وكأنها ماشية وهي خايفة من حاجة أو حد.
سليم عينه ضاقت: وخرجت إزاي؟مش واضحة، بس اختفت بعد ما وقعت كأنها كانت بتدور عليك تحديدًا. الكلام وقف عنده لحظة؛ هو ما طلبهاش وهي ما تعرفهوش، ومع ذلك وقعت قدامه هو بالذات. في الأوضة، مايا كانت بصّة للسقف وهمست لنفسها: هو ليه هو؟..
وبعدين سكتت كأنها خافت من السؤال نفسه. بعد ساعة، رجع سليم ومعاه كوباية مية: اشربي شوية. مايا بصت للكوباية وبعدين له: أنا مش عايزة أكون تقيلة عليك. سليم رفع عينه فورًا: إنتي مش تقيلة.. ومحدش بيقع قدام حد وبيبقى تقيل عليه.




