
سألت إلهام لحد ما وصلت لدكان المعلم زكي الجوهري. دكان ضيق وبارد، جواه راجل عجوز لابس نظارة بكعب كباية، وساند دقنه على إيده وباصص في حجر كريم بعدسة مكبرة.
السلام عليكم يا حاج زكي. الراجل رفع راسه، وبص لها من فوق النظارة وعليكم السلام ورحمة الله.. أهلاً يا بنتي، أؤمري. أنا جاية لك من طرف عم الشيخ حسن، إمام جامع سيدي منصور في البلد اللي جنبكم.
أول ما سمع اسم الشيخ حسن، وشه اتفرد وابتسم ابتسامة صافية، وحط العدسة على المكتب ونفض إيديه يا مرحب، يا مرحب بريحة الشيخ حسن الحبيب.. خطوة عزيزة يا بنتي، اقعدي.. ارتاحي. تشربي إيه؟ شاي بنعناع؟ تسلم يا حاج، والله مستعجلة وعايزاك في مصلحة لوجه الله.
طلعت إلهام الغويشة من جيبها وحطتها على القماش القطيفة الأسود اللي على البنك. الغويشة لما نزلت عملت صوت رنة تقيلة كشفت عن معدنها الأصلي. المعلم زكي مسك الغويشة، وعينيه لمعت من تحت النظارة، وقربها من النور ما شاء الله.. تبارك الخلاق! دهب كسر قديم عيار ٢١.. شغل صاغة زمان اللي ميتعوضش. ده نقش الستينات المجدول، دهب صافي مفهوش ولا نقطة نحاس مغشوشة.
حطها على الميزان الحساس، وبدأ يوزن ويحسب بالقلم الرصاص على ورقة بيضا صغيرة. وزنها ٢٦ جرام ونص يا بنتي.. وجرام النهاردة عالي.. ليكي عندي صافي بعد خصم المصنعية تلاتين ألف وخمسمية جنيه.
الرقم نزل على ودن إلهام زي الحلم. تلاتين ألف جنيه؟! من غويشة واحدة؟! والمكنة لسه فيها تلاتة غيرها وليرة دهب؟! حست بدوخة خفيفة ومسكت في طرف البنك، ودموعها كانت هتفر منها تاني، بس مسكت نفسها قدام الراجل.
راضية يا حاج؟ راضية ومباركة يا بنتي، ده حقك ولا بننقص منه حبة خردل.. استني أعد لك الفلوس.
فتح الخزنة وطلع رزم الفلوس، وعدهم قدامها ورقة ورقة، وحطهم في كيس قماش غامق وربطه لها الشيخ حسن وصاني على الغريب، ووشك باين عليه ولاد لأصول.. خدي بالك من الفلوس وإنتي مروحة، السوق مليان عيون خائنة.
طلعت إلهام من عند الجواهرجي، والرعشة في رجليها كانت هادية وواثقة المرة دي. دخلت أول محل ملابس في وشها، اشترت لنسمة طقمين جداد وكوتشي أبيض نضيف، واشترت لنفسها جلابية سودا محترمة من قماش الكريب المتين وطرحة شيفون طويلة. ودخلت محل أكل، جابت فرخة مشوية سخنة ورز وسلطات وعيش طازة، وأكلت هي وبنتها لحد ما شبعوا وضحكوا لأول مرة من شهور.
بعدها، لفت على محلات القماش والخردوات. اشترت بكر خيط ألماني من المتين، وإبر مكن بمقاسات مختلفة، وشريط قياس، ومقص ترزي تقيل كربون صلب من اللي بياكل في التوب زي السکينة في الحلاوة، وتوبين قماش واحد روزالين والتاني كريب مشجر صيفي.. وشالت الحاجة كلها في أكياس كبيرة وركبت عربية مخصوص رجعتها البلد لحد باب العشة.
المغرب كان بيأذن لما نزلت قدام الجامع. البلد كانت بتهدا، وريحة طين الغيطان بعد الري كانت مالية الهوا، وصوت خوار البهايم المروحة من الحقول مالي السكك.
فتحت باب الدكان ودخلت الحاجة كلها، ونسمة كانت بتتنطط بفرحتها بالكوتشي الجديد والفستان اللي لبسته على طول. ولعت لمبة الجاز اللي جابتها معاها، وعلقتها في مسمار في السقف، وبدأت الشغل بجد.
مكنتش بتضيع دقيقة واحدة. جابت جاز وقطن وبدأت تمسح الصدأ من على جسم المكنة السنجر.. كل ما تمسح حتة، يظهر اللون الأسود الملكي بتاع زمان، وتلمع الحروف الدهبي اللي مكتوب بيها Singer. حطت نقط زيت مكن في كل خرم وفي كل ترس، وبدأت تلف العجلة بإيدها براحة.. في الأول كانت بتعصلج وبتزيق زي ما تكون بتشتكي من سنين النسيان، بس مع كل لفة وزيت، التروس فكت، والصوت بقى ناعم وموسيقي يطرب الودن تكتك.. تكتك.. تكتك.
لضمت الإبرة بخيط أبيض، وجابت حتة قماش قديمة وجربت.. الغرزة طلعت مستقيمة، متقفلة، ومشدودة كأنها معمولة بأحدث مكنة في المصانع.
الله يرحمك يا ستيتة.. الله يرحمك ويجعل مرقدك روضة من رياض الجنة.. صنيعتك لسه حية.
تاني يوم الصبح، السوق قام ورا الدكان، وريحة الخضار والفاكهة ملت المكان. إلهام فرشت على البنك القماش المشجر، وبدأت تفصل فستان بناتي صغير بكشكشة وأكمام منفوخة، كانت بتعمله زمان لبنات خالاتها وهي صبية. مقصها كان بيجري في القماش بنظام وفن، وغرز المكنة كانت سريعة ومنتظمة لدرجة إن المارة في الشارع بدأوا يقفوا ويبصوا من الباب المفتوح.
الستات اللي في السوق، وهما مروحين بسبتات الخضار، لفت نظرهم صوت المكنة النضيف وموديل الفستان اللي اتعلق على شماعة خشب على واجهة الدكان. دخلت أول زبونة، ست ريفية طيبة باين عليها البساطة، لابسة شال أسود صباح الخير يا أبلة.. هو أنتي بتفصلي هنا؟ إلهام وقفت بابتسامة تملى الوش صباح الورد يا خالة.. أيوه، تفصيل وتصليح وكل اللي تأمري بيه. الست مسكت طرف الفستان المعلق، وعينيها لمعت ما شاء الله، إيه الخياطة النضيفة دي! ده شغل بندر ده ولا إيه؟ ده أحسن من شغل المعلم عبد الصمد اللي في أول البلد بمية مرة.. ده بيقعد الجلابية عنده شهرين ويطلعها كم أطول من كم! تحت أمرك يا خالة، هاتي قماشك وتستلميه في تلات أيام بالكتير، وعلى الفرازة. الست شهقت بفرحة تلات أيام؟! ده بجد؟! ده أنا عندي بنتي فرحها بعد جمعتين ومش لاقية حد يخلص لي فساتين خواتها.. ده أنا هروح أجيب لك القماش حالاً!
من اللحظة دي، بدأت السكة تتفتح.. البلد كانت عطشانة لحد بيفهم في الذوق والخياطة السريعة، وإلهام كانت بتعامل الناس بأدب وسماحة وأسعار هادية، فبدأت رجل الحريم تاخد على الدكان.
بس وسط الفرحة دي كلها، كانت فيه عين مراقبة.. عين مش سالكة.
في اليوم الرابع، وإلهام قاعدة بتشطب عباية زبونة، حست بظل ضخم غطى عتبة الدكان وقطع نور الشمس. رفعت راسها، وقلبها نزل في رجليها.. بس مظهرتش أي خوف.
كان واقف على الباب عطوة، الغفير الخصوصي بتاع مدحت ابن عمها! راجل طويل وعريض، لابس جلابية صوف غامقة، وحاطط الأداة على كتفه، وعينه فيها نظرة لؤم وشر.
عطوة بص لجوه الدكان، بص على التيل المرصوص، وبص على الفلوس اللي محطوطة في درج البنك، وعينه ثبتت على مكنة الخياطة السنجر السودة اللي مدحت رماها في الشارع.
سلام عليكم يا ست الهوانم.. إيه ده؟ هو أنتي نزلتي المرقد وقومتي منه ولا إيه؟ إلهام قامت وقفت، وشدت نسمة ورا ضهرها بهدوء، وردت بصوت بارد ورزين وعليكم السلام يا عطوة.. أؤمر؟ جاي تفصل حاجة، ولا مدحت باعتك بحاجة تانية؟
عطوة ابتسم بنص بقه، ومسح على شنبه الكبير، ودخل خطوة جوه الدكان وهو بيبص حواليه بتعجب والله البيه مدحت ميعرفش إنك لسه في البلد.. هو فاكر إنك ركبتي القطر وهجيتي على مصر ولا الفيوم. بس الباشكاتب بتاع الجمعية الزراعية جه قاله امبارح فيه خياطة جديدة فتحت في دكان رضوان والبلد كلها مقلوبة على شطارتها ومعاها مكنة سودة عتيقة.. البيه مشكش في الأول، بس بعتني أتأكد.




