
عربيتين مركونين جنب بعض، كأنهم بيبتسموا بسخرية في وشي. نور المكتب في الدور التالت شغال، وظلال بتتحرك ورا الستائر المودرن اللي كنت منقياها بنفسي قماشها ولونها من سنة بالظبط.
ركنت عربيتي بعيد عن مدخل الكاميرات المباشر، طفيت الموتور، وفضلت قاعدة ثواني جوا صالون العربية أوزن النفس اللي داخل وطالع من صدري. الرعشة اللي كانت في إيدي امبارح اختفت، مكانها حل تلج بارد، هدوء ما قبل العاصفة لما تكون عارف إن الضړبة الجاية مفيهاش تراجع.
مسكت الموبايل، طلبت رقم رامي، مدير قسم تكنولوجيا المعلومات IT في الشركة. رامي ده كان من أوائل الشباب اللي عينتهم بإيدي أول ما فتحنا الشركة، ولد شاطر، أمين، وعارف كويس إن وجوده وترقيته كانت بفضل شغلي ومتابعتي ليه مش مجاملات شهاب.
التليفون رن مرتين وتلاتة، لحد ما رد وصوته باين فيه أثر النوم ألو.. صباح الخير يا باشمهندسة غرام، حمد الله على السلامة! صباح النور يا رامي، اسمعني كويس وبدون أي أسئلة دلوقتي.. إنت فين؟ أنا.. أنا لسه صاحي في البيت في مدينة نصر، بجهز عشان أجي. متتحركش دلوقتي.. اسمع اللي هقولهولك ونفذه فوراً
من اللاب توب بتاعك ومن سيرفر الطوارئ اللي عندك في البيت. عايزة إيقاف فوري لصلاحيات الدخول على الداتا بيز وقسم الحسابات والعقود، لحسابين اتنين بالتحديد حساب شهاب، وحساب إلهام. رامي سكت لحظة، حسيت بصډمته في السلك أستاذ شهاب؟! مدام غرام، ده رئيس مجلس الإدارة التنفيذي، ولو عطلت حسابه هيجيله إشعار أوتوماتيك على موبايله في ثواني! خليه يجيله. وكمان اعزل السيرفر الرئيسي عن شبكة الواي فاي الداخلية في الشركة واقفل التحويلات البنكية اللحظية من السيستم. قدامك بالظبط خمس دقايق، تعمل ده وتبعتلي إيميل تأكيد، وبعدها تركب عربيتك وتيجي على مقر الشركة، فاهم؟ فاهم يا فندم، خمس دقايق وهيكون معمول.
قفلت مع رامي، وطلبت المستشار محمود. أستاذ محمود، أنا تحت الشركة. شهاب وإلهام فوق من امبارح، واضح إنهم كانوا بيفرموا ورق أو بينقلوا ملفات بعد الڤضيحة بتاعة الفرح. صوت محمود كان حاسم ومنظم قوة من نجدة التجمع الخامس ومعاهم محضر إثبات حالة ورجالتي من المكتب هيوصلوا عندك في ظرف ربع ساعة. متدخليش لوحدك يا غرام! مش هينفع استنى ربع ساعة يا أستاذ محمود. البنوك بتفتح كمان ساعة ونص، ولو
هما ماسكين هاردات خارجية أو فلاشات عليها العقود الأصلية هيطلعوا بيها ومش هعرف أثبت حاجة. أنا طالعة، ورجالتك أول ما يوصلوا يدخلوا على طول. يا بنتي خدي بالك، شهاب دلوقتي زي الديب المحاصر وممكن يتصرف بغباء! متقلقش، أنا عارفة شهاب أكتر مما يتخيل نفسه.
فتحت باب العربية ونزلت. صوت الكعب كان بيخبط برتابة على أرضية الجراج. دخلت من البوابة الجانبية بكارت الدخول الإداري بتاعي. الأمن بتاع الوردية الليلية كان عم محروس، راجل عجوز وطيب، أول ما شافني اتفاجئ وقام وقف ست غرام؟! حمد الله على سلامتك يا بنتي.. الباشا فوق من الفجر هو والست إلهام، قالوا عندهم مراجعة ميزانيات مقفولة. عارفة يا عم محروس. طلب أخير منك.. البوابات الإلكترونية للجراج وللمبنى تفضل مقفولة بالكونترول، ومحدش يخرج برا الشركة، لا بعربيته ولا على رجله، لأي سبب، مفهوم؟ أوامرك يا بنتي، بس في حاجة؟ شوية حسابات بنظبطها.. متفتحش لحد مهما حصل.
ركبت الأسانسير ودوست على الدور التالت. الثواني اللي الأسانسير كان بيتحرك فيها لفوق كانت كفيلة ترجعلي شريط عشر سنين بحالهم. تذكرت أول مكتب أجرناه في مكرم عبيد، كان أوضة
وصالة
وكنت أنا اللي بنزل في عز الشمس عشان أقنع أول عميل يدينا داتا سيستم صغير. تذكرت لما بعت دهب أمي الله يرحمها عشان أدفع مرتبات الموظفين في أول أزمة مرت بينا، وقتها شهاب كان بيبكي في حضڼي ويقولي إنتِ ضهري وسندي يا غرام، عمري ما هنسالك ده. والنهاردة، السند ده كان بيتحفرله قبر عشان يتزق فيه!
الباب اتفتح بصوت رنين ناعم. طرقة الدور التالت كانت هادية، المكاتب كلها مطفية، ما عدا باب المكتب الكبير، مكتب المدير العام، النور كان طالع من تحت عتبة الباب، وأصوات نقاش حاد ومكتوم واصلة لوداني.
قربت بخطوات بطيئة، مفيش صوت، النفس هادي زي بحيرة مېتة.
صوت إلهام كان باكي ومتوتر قولتلك بلاش الحركات دي يا شهاب! قولتلك بلاش العوج مع أهلك! أهي طينت الدنيا فوق دماغنا، والفضايح بقت بجلاجل، تفتكر لو حد صور الفرح ده ونزله تيك توك ولا لينكد إن، سمعتنا هتبقى إيه قدام المستثمرين والعملا؟! شهاب كان بيزعق وهو بيلهث، وصوت تكسير خفيف وفتح أدراج بقوة اخرسي خالص يا إلهام! إنتِ اللي عينك فارغة وقولتيلي نروح الفرح ونغيظها بالشبكة اللي اشتريتهالك!
غرام مش غبية، بس هي اتصرفت بعواطف ست مقهورة، الڤضيحة تلات أيام والناس تنساها، المهم الورق ده.. العقود دي لو اتنقلت على سيرفر ألفا تك والتحويل البنكي نزل، هي مش هتعرف تثبت مليم واحد، دي ست عاطفية، كلمتين ودمعتين في بيت أهلها وهيخلص الموضوع بورقة طلاق وتنازل!
في اللحظة دي، مديت إيدي وزقيت الباب بقوة.
الباب خبط في الحيطة ورجع خطوة لورا بصوت رزع هز الأوضة كلها.
المشهد جوا كان أشبه بمسرح چريمة حقيقي. شهاب كان قالع جاكت البدلة، مشمر قميصه وعرقه سايل، وماسك شنطة جلدية كبيرة بيحط فيها ملفات زرقا، وإلهام كانت قاعدة قدام شاشتها بټضرب كليك على الماوس بسرعة وتدخل فلاشات ميموري في الكيسة، وعلى الترابيزة مكنة فرم ورق صغيرة عمالة تبلع مستندات وتطلعها شرايط بيضا.
الاتنين اتسمروا مكانهم. شهاب وقف مبلم، عينيه وسعت بشكل هستيري، وإلهام شهقت وحطت إيدها على بؤها وكأنها شافت شبح.
بصيت ليهم من فوق لتحت ببرود تام، قفلت الباب ورايا بهدوء، وسندت ضهري عليه، وربعت إيديا.
صباح الخير يا بشمهندس.. يا ترى الفطار النهاردة فيه جبنة برضه ولا سيبته لإلهام تجهزهولك؟
شهاب
بلع ريقه بصعوبة، حاول يفرك وشه ويسترجع قناع الراجل المسيطر غرام.. إنتِ.. إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟ ومن امتى بتدخلي كده من غير خبط؟! من نفس اللحظة اللي بقيت بدخل فيها أوضة نومي وألاقي سكرتيرتك بتقيس فساتينها فيها. ومن نفس اللحظة اللي عرفت فيها إنك بتزور إمضتي عشان تنهب عرق سنيني.
إلهام وقفت بسرعة، وشها كان لونه شاحب، وحاولت تتكلم بنبرة كبرياء مصطنعة مدام غرام، لو سمحتي انتقي ألفاظك، أنا هنا موظفة وبشتغل بمهنية، ومفيش بيني وبين الأستاذ شهاب غير كل احترام، واللي حصل في الفرح ده تجاوز وتشهير وأنا هرفع قضية
مسبتهاش تكمل. مشيت خطوتين ووقفت قدام مكتبها، بصيت في عينيها مباشرة بنظرة خلت لسانها يقف في حلقها تقصدي ترفعي قضية بشهادة أخوكي طارق السويفي؟ صاحب شركة ألفا تك اللي أخدت عقود بتمانية وعشرين مليون جنيه من غير مناقصة وبتفويض مزور باسمي؟ ولا بشهادة طليق أخت شهاب الشريك التاني؟
الكلمة نزلت عليهم زي صاعقة كهربية. شهاب وقعت من إيده الدوسيهات اللي كان ماسكها، الورق اتنثر على الأرض. وشه كان بيقول كلمة واحدة عرفت إزاي؟.
إلهام قعدت مكانها على
الكرسي كأن ركبها




