
المعلم رضوان، راجل مسن بس له هيبة وكلمة مسموعة في البلد، خبط بعصايته على الأرض وقال الدكان دكاني يا عطوة، والست إلهام مأجراه مني ودافعة حقها ست شهور مقدم، ومحدش له كلمة عليها في ملكي. روح قول لمدحت، رضوان بيقولك اكفي قدرتك على فمها، وبلاش فرعنة على الولايا.. لحسن كلام زمان القديم لو اتفتح، فيه ناس كتير هتنزل روسها في الطين!
عطوة بلع ريقه لما لقى رجالة السوق والشيخ حسن واقفين حيطة سد قدامه. عرف إن الحكاية مش سايبة، وإن إلهام مابقتش مقطوعة زي ما دخلت البلد أول يوم. رجع خطوتين لورا وبص لإلهام بنظرة توعد ماشي.. الكلام هيوصل للبيه بحروفه.. بس افتكري كويس يا إلهام، أنتي اللي بدأتي المعاندة، واللعب مع الكبار عواقبه وحشة.
لف عطوة ومشي والتراب بيعفر ورا مداسه، وإلهام فضلت واقفة مكانها، صدرها بيعلا ويهبط. الشيخ حسن دخل الدكان، وقال بصوت حنين متخافيش يا بنتي، محدش يقدر يمسك بشعرة طول ما إنتي ماشية في الحلال والناس الطيبة دي حواليكي. إلهام بصت للشيخ حسن، وبصت لأرضية الدكان، وابتسمت ابتسامة غامضة مكنش حد فاهم سرها غيرها أنا مش خايفة يا عم الشيخ.. الخوف ده كان زمان.. دلوقتي أنا اللي هستنى مدحت يجيلي برجله.
بعد ما الناس مشيت والدكان فضي، دخلت نسمة في حضن أمها وهي بتترعش ماما.. هو الراجل الوحش ده هياخد مننا المكنة؟ إلهام مسحت على شعر بنتها وباستها في خدها محدش يقدر ياخد حاجة ربنا كتبها لنا يا نور عيني.. المكنة دي مش بس جابت لنا أكل وعيش.. المكنة دي هترجع لنا حقنا المسلوب شبر بشبر.
قعدت إلهام قدام المكنة، بس المرة دي ممسكتش المقص ولا مسكت القماش. طلعت المفك الصغير من الدرج، ونزلت تحت القعدة الحديد تاني. فكت المسمار الشمال، وسحبت الورقة المشمع اللي فيها العقد القديم ووصية ستيتة.
قرأت تاني الجملة اللي كانت بتزن في عقلها طول النهار أصل عقدها الأزرق دافناه تحت عتبة أوضة الخزين في البيت القديم.. ده شقا أبويا اللي انضحك عليا فيه وأنا صبية.
البيت القديم بتاع العيلة.. البيت المهجور اللي في طرف البلد التاني، اللي مدحت قافله من سنين وسايبه للغربان بعد ما بنى السرايا الجديدة على الأرض المسروقة. العقد هناك.. مدفون تحت العتبة.. ومفتاح العز كله، والخطر الداهم اللي هيلتف على رقبة مدحت وأطماعه، مستنيها تحت التراب في الضلمة.
بصت للسما من الشباك، وشافت النجوم بدأت تطلع في ليل البلد الهادي، وقالت في سرها وعينيها بتلمع بتحدي ناري الليل له عيون يا مدحت.. والسر اللي اندفن أربعين سنة، مش هيفضل مدفون أكتر من كده.. الليلة دي، لازم أروح البيت القديم!




