
بعدها، لفت على محلات القماش والخردوات. اشترت بكر خيط ألماني من المتين، وإبر مكن بمقاسات مختلفة، وشريط قياس، ومقص ترزي تقيل كربون صلب من اللي بياكل في التوب زي السکينة في الحلاوة، وتوبين قماش واحد روزالين والتاني كريب مشجر صيفي.. وشالت الحاجة كلها في أكياس كبيرة وركبت عربية مخصوص رجعتها البلد لحد باب العشة.
المغرب كان بيأذن لما نزلت قدام الجامع. البلد كانت بتهدا، وريحة طين الغيطان بعد الري كانت مالية الهوا، وصوت خوار البهايم المروحة من الحقول مالي السكك.
فتحت باب الدكان ودخلت الحاجة كلها، ونسمة كانت بتتنطط بفرحتها بالكوتشي الجديد والفستان اللي لبسته على طول. ولعت لمبة الجاز اللي جابتها معاها، وعلقتها في مسمار في السقف، وبدأت الشغل بجد.
مكنتش بتضيع دقيقة واحدة. جابت جاز وقطن وبدأت تمسح الصدأ من على جسم المكنة السنجر.. كل ما تمسح حتة، يظهر اللون الأسود الملكي بتاع زمان، وتلمع الحروف الدهبي اللي مكتوب بيها Singer. حطت نقط زيت مكن في كل خرم وفي كل ترس، وبدأت تلف العجلة بإيدها براحة.. في الأول كانت بتعصلج وبتزيق زي ما تكون بتشتكي من سنين النسيان، بس مع كل لفة وزيت، التروس فكت، والصوت بقى ناعم وموسيقي يطرب الودن تكتك.. تكتك.. تكتك.
لضمت الإبرة بخيط أبيض، وجابت حتة قماش قديمة وجربت.. الغرزة طلعت مستقيمة، متقفلة، ومشدودة كأنها معمولة بأحدث مكنة في المصانع.
الله يرحمك يا ستيتة.. الله يرحمك ويجعل مرقدك روضة من رياض الجنة.. صنيعتك لسه حية.
تاني يوم الصبح، السوق قام ورا الدكان، وريحة الخضار والفاكهة ملت المكان. إلهام فرشت على البنك القماش المشجر، وبدأت تفصل فستان بناتي صغير بكشكشة وأكمام منفوخة، كانت بتعمله زمان لبنات خالاتها وهي صبية. مقصها كان بيجري في القماش بنظام وفن، وغرز المكنة كانت سريعة ومنتظمة لدرجة إن المارة في الشارع بدأوا يقفوا ويبصوا من الباب المفتوح.
الستات اللي في السوق، وهما مروحين بسبتات الخضار، لفت نظرهم صوت المكنة النضيف وموديل الفستان اللي اتعلق على شماعة خشب على واجهة الدكان. دخلت أول زبونة، ست ريفية طيبة باين عليها البساطة، لابسة شال أسود صباح الخير يا أبلة.. هو أنتي بتفصلي هنا؟ إلهام وقفت بابتسامة تملى الوش صباح الورد يا خالة.. أيوه، تفصيل وتصليح وكل اللي تأمري بيه. الست مسكت طرف الفستان المعلق، وعينيها لمعت ما شاء الله، إيه الخياطة النضيفة دي! ده شغل بندر ده ولا إيه؟ ده أحسن من شغل المعلم عبد الصمد اللي في أول البلد بمية مرة.. ده بيقعد الجلابية عنده شهرين ويطلعها كم أطول من كم! تحت أمرك يا خالة، هاتي قماشك وتستلميه في تلات أيام بالكتير، وعلى الفرازة. الست شهقت بفرحة تلات أيام؟! ده بجد؟! ده أنا عندي بنتي فرحها بعد جمعتين ومش لاقية حد يخلص لي فساتين خواتها.. ده أنا هروح أجيب لك القماش حالاً!
من اللحظة دي، بدأت السكة تتفتح.. البلد كانت عطشانة لحد بيفهم في الذوق والخياطة السريعة، وإلهام كانت بتعامل الناس بأدب وسماحة وأسعار هادية، فبدأت رجل الحريم تاخد على الدكان.
بس وسط الفرحة دي كلها، كانت فيه عين مراقبة.. عين مش سالكة.
في اليوم الرابع، وإلهام قاعدة بتشطب عباية زبونة، حست بظل ضخم غطى عتبة الدكان وقطع نور الشمس. رفعت راسها، وقلبها نزل في رجليها.. بس مظهرتش أي خوف.
كان واقف على الباب عطوة، الغفير الخصوصي بتاع مدحت ابن عمها! راجل طويل وعريض، لابس جلابية صوف غامقة، وحاطط الأداة على كتفه، وعينه فيها نظرة لؤم وشر.
عطوة بص لجوه الدكان، بص على التيل المرصوص، وبص على الفلوس اللي محطوطة في درج البنك، وعينه ثبتت على مكنة الخياطة السنجر السودة اللي مدحت رماها في الشارع.
سلام عليكم يا ست الهوانم.. إيه ده؟ هو أنتي نزلتي القبر وقومتي منه ولا إيه؟ إلهام قامت وقفت، وشدت نسمة ورا ضهرها بهدوء، وردت بصوت بارد ورزين وعليكم السلام يا عطوة.. أؤمر؟ جاي تفصل حاجة، ولا مدحت باعتك بحاجة تانية؟
عطوة ابتسم بنص بقه، ومسح على شنبه الكبير، ودخل خطوة جوه الدكان وهو بيبص حواليه بتعجب والله البيه مدحت ميعرفش إنك لسه في البلد.. هو فاكر إنك ركبتي القطر وهجيتي على مصر ولا الفيوم. بس الباشكاتب بتاع الجمعية الزراعية جه قاله امبارح فيه خياطة جديدة فتحت في دكان رضوان والبلد كلها مقلوبة على شطارتها ومعاها مكنة سودة عتيقة.. البيه مشكش في الأول، بس بعتني أتأكد.
قرب من المكنة ومد إيده الخشنة يلمس خشبها، بس إلهام حطت إيدها قدامه ووقفته بحزم إيدك متلمسش حاجة مش بتاعتك يا عطوة.. المكنة دي رماها سيدك في التراب قدام بنتي وقدام أهل الشارع كلهم، وقالي باللسان اللي هيدخل العذاب بيعيها، استعمليها، ارميها في البحر.. والمكنة دي بقت رزقي ورزق اليتيمة دي، وملوش عندي لا حبة ولا قيراط.
عطوة ضحك ضحكة مكتومة هزت كتافه العريضة يا ست إلهام، أنتي عارفة مدحت بيه وعارفة جبروته.. هو مبيرميش حاجة تطلع منها مصلحة. لما عرف إن المكنة شغالة وبتجيب زباين، حز في نفسه إنك عملتي من وراها اسم في بلده ومن غير ما تاخدي إذنه.. ده غير إن الست هانم مراته سمعت باللي حصل وقالت له البت دي جاية هنا تعمل لنا فضيحة في البلد وتفرّج علينا الخَلق.. فالبيه بيقولك هاتي المكنة، وتاخدي ميتين جنيه تمشي بيهم حالك وتفارقي البلد دي قبل ما الشمس تغيب النهاردة.
إلهام حست بدمها بيغلي، الظلم القديم كله صحي في لحظة واحدة؛ طردتها من بيتها، تشردها في الشوارع، ذل بنتها، وفوق كل ده الجشع اللي مبيشبعش! قول لمدحت.. المكنة دي مش هتدخل بابه تاني لو انطبقت السما على الأرض. وقوله إلهام اللي كانت بتبكي على عتبتك وبتترجاك عشان لقمة، خلاص غابت. ورجلي مش طالعة من البلد دي.. البلد دي بلدي زي ما هي بلده، وورايا رب كبير مبيسيبش حق الغلابة.
عطوة وشه اتقلب، وعينيه ضاقت بشر أنتي بترفضي كلام مدحت بيه يا إلهام؟ أنتي ناسية هو مين في البلد دي؟ ده بكلمة منه للدريسة يقفلوا لك الدكان ده باللي فيه ويطردوكِ برة المركز كله!
في اللحظة دي، صوت جهور وواثق جه من ورا عطوة على العتبة ومين اللي يقفل دكان مستأجر بشرع الله وبورقة رسمية يا عطوة؟!
عطوة اتلفت بسرعة، لقى الشيخ حسن واقف وساند على عكازه، وجنبه المعلم رضوان صاحب الدكان، ووراهم اتنين من كبارات السوق اللي كانوا بيصلوا العصر في الجامع.




