
فضلت باصة للصورة اللي وصلتني ومش قادرة أستوعب اللي عيني شايفاه.
الصورة كانت لعقد إيجار شقة في منطقة التجمع الخامس، ومكتوب فيها اسم رائد بصفته المستأجر، واسم الحاجة سعاد باعتبارها المقيمة معاه.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في العقد نفسه.
الصدمة كانت في تاريخ العقد.
العقد بقاله أكتر من سنة ونص!
يعني طول الفترة اللي إحنا فيها متجوزين وعايشين في شقة المقطم، كان رائد مأجر شقة تانية وبيسدد إيجارها كل شهر من غير ما أعرف.
والأغرب إن قيمة الإيجار كانت 12 ألف و800 جنيه شهرياً.
رجعت للرسالة وكتبت بسرعة:
“ممكن أعرف حضرتك مين؟ وإيه علاقة جوزي بالشقة دي؟”
الرد جه بعد ثواني:
“أنا اسمي نجلاء وكنت شغالة في مكتب العقارات اللي مأجر الشقة لرائد بيه. حضرتك لازم تعرفي إن الشقة دي مش مجرد مكان والدته بتقعد فيه زي ما هو بيقول.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة وكتبت:
“يعني إيه؟”
قالت:
“أنا مش هقدر أشرح كل حاجة في الرسايل. بس عندي صور ومستندات تثبت إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل. ممكن نتقابل بكرة الصبح؟”
وافقت من غير تردد.
قفلت الموبايل وبصيت ناحية باب الأوضة اللي كان جوزي نايم فيها بمنتهى الهدوء.
كنت عايزة أدخل أصحيه وأواجهه وأسأله عن الشقة التانية وعن الفلوس اللي بيدفعها كل شهر وعن الكلام اللي عايشني فيه.
لكن قررت أستنى.
لأول مرة في حياتي حسيت إن السكوت ممكن يكون أقوى من ألف مواجهة.
تاني يوم الصبح خرجت بدري بحجة إني رايحة أخلص مشوار شغل.
قابلت نجلاء في كافيه هادي في مدينة نصر.
كانت ست في أوائل الأربعينات ووشها باين عليه التوتر. أول ما شافتني سلمت عليا وطلعت ملف من شنطتها وحطته قدامي.
قالت:
“أنا عارفة إن اللي هقوله لحضرتك صعب بس ضميري مش مرتاح.”
فتحت الملف وبدأت تطلع صور عقود وإيصالات تحويلات بنكية.
قالت:
“رائد بيه مأجر الشقة دي من سنة ونص تقريباً، وكان بييجي بنفسه يدفع الإيجار في الأول، وبعد كده بقى بيحول الفلوس على حساب صاحب العقار.”
قلتلها:
“طب ما يمكن مأجرها لوالدته فعلاً؟”
هزت راسها وقالت:
“في الأول ده اللي فهمناه، لكن الحقيقة إن والدته مكنتش عايشة فيها طول الوقت. كان فيه شخص تاني بيستخدم الشقة وبيستقبل فيها ضيوف.”
سألتها بقلق:
“مين الشخص ده؟”
سكتت شوية وبعدين طلعت صورة من الملف ودفعتها ناحيتي.
أول ما شفت الصورة حسيت إن نفسي اتسحب مني.
كانت صورة لحماتي الحاجة سعاد واقفة قدام باب الشقة، ومعاها ست شابة شايلة طفل صغير.
بصيت لنجلاء وقلت:
“مين الست دي؟”
قالت وهي بتوطي صوتها:
“اسمها داليا، ودي بنت رائد بيه.”
حسيت إن الكافيه كله بيلف بيا.
بنت رائد؟!
حاولت أتكلم لكن صوتي مخرجش.
نجلاء كملت:
“أنا معرفش تفاصيل علاقتهم ببعض، لكن البنت دي كانت بتدخل الشقة باستمرار، والحاجة سعاد كانت بتتعامل معاها كأنها بنتها.”
فضلت باصة للصورة وأنا بحاول أستوعب الكلام.
رائد عنده بنت؟!
إزاي؟ ومن إمتى؟ وإزاي حماتي عارفة وبتشارك في الموضوع؟
سألتها بصوت مرتعش:
“والطفل اللي معاها ده؟”
ردت:
“ده ابنها على حد علمي.”
قفلت الملف وقلت:
“أنا محتاجة أشوف باقي المستندات.”
طلعت نجلاء ورقة تانية وقالت:
“فيه حاجة كمان يا مدام مريم. آخر شهرين رائد طلب من صاحب الشقة إنه يغير اسم المستأجر في العقد ويخلي العقد باسم والدته. وكان بيقول إن فيه ظروف عائلية وإنه مش عايز اسمه يظهر في أي أوراق.”
سألتها:
“ليه؟”
قالت:
“مش عارفة. بس قبل ما أسيب الشغل، صاحب المكتب طلب مني أحتفظ بصورة من العقد القديم لأن فيه خلاف على الإيجار والتأمين.”
خدت منها صور المستندات وطلبت منها متقولش لحد إننا اتقابلنا.
خرجت من الكافيه وأنا حاسة إني ماشية في حلم تقيل مش قادرة أصحى منه.
رجعت البيت قبل رائد.
دخلت الأوضة وفتحت الدولاب وبدأت أدور على أي أوراق تخص الشقة أو التحويلات البنكية.
مكنتش عارفة أنا بدور على إيه بالظبط، لحد ما لقيت درج صغير في مكتبه كان دايماً بيقفل عليه بالمفتاح.
جربت كذا مفتاح لحد ما واحد منهم فتح.
جواه كان فيه ملف بني قديم.
فتحته وبدأت أقلب في الورق.
لقيت إيصالات تحويلات مالية وصور بطاقات وعقود.
لكن الورقة اللي وقفت عندها كانت صورة لشهادة ميلاد لطفلة اسمها ليان.
اسم الأب: رائد محمود عبدالسلام.
واسم الأم: داليا حسن.
تاريخ الميلاد كان من أربع سنين!
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
إحنا متجوزين من خمس سنين!
يعني بنته اتولدت بعد جوازنا بسنة!
سمعت صوت مفتاح الباب فانتفضت وقفلت الملف بسرعة ورجعته مكانه.
دخل رائد وهو بيخلع جاكيت البدلة وقال:
“إنتِ رجعتي بدري ليه؟”
بصيتله وقلت بهدوء:
“خلصت شغلي.”
قرب مني وباس راسي وقال:
“على فكرة أمي كلمتني وقالت إنها هتجيب عربية نقل كبيرة يوم الاتنين عشان تنقل كل حاجتها. متنسيش تفضي الشقة قبلها.”
بصيتله وقلت:
“متقلقش كل حاجة هتكون جاهزة.”
ابتسم وقال:
“أنا عارف إنك عاقلة وهتفهمي إن أمي ملهاش غيرنا.”
كان نفسي أضحك من كتر ما كلامه بقى مستفز.
الراجل اللي مخبي عن مراته بنت عمرها أربع سنين بيتكلم عن العيلة والواجب!
في اللحظة دي قررت إني مش هواجهه غير لما أعرف كل الحقيقة.
عدى اليوم وأنا بتعامل معاه بشكل طبيعي.
وبالليل اتصلت بيا حماتي.
قالت بفرحة:
“يا مريم يا حبيبتي أنا جهزت معظم حاجتي ومش قادرة أستنى يوم الاتنين. وبالمناسبة عايزاكي تشيلي أي حاجة شخصية ليكي من الشقة عشان أنا هجيب عفشي كله.”
قلتلها:
“حاضر يا طنط.”
قالت وهي بتضحك:
“ربنا يخليكي يا بنتي. أصلك كده ريحتيني من هم كبير. وبعدين إنتِ ورائد لازم تفكروا في مستقبلكم بدل ما الفلوس تضيع في إيجارات ملهاش لازمة.”
سألتها فجأة:
“هو يا طنط إنتِ تعرفي واحدة اسمها داليا؟”




