
الصمت اللي حصل في التليفون كان كفيل يخليني أعرف إن الاسم مش غريب عليها.
بعد ثواني قالت:
“داليا مين؟”
رديت:
“ولا حاجة، واحدة قابلتها بالصدفة.”
قالت بعصبية واضحة:
“بصي يا مريم، أنا مش بحب الكلام اللي ملوش لازمة، وياريت متدخليش نفسك في حاجات متخصكيش.”
قفلت المكالمة من غير ما ترد على سلامي.
تاني يوم الصبح رحت لأبويا وحكيتله كل حاجة، من أول موضوع الشقة لحد شهادة الميلاد.
فضل ساكت فترة طويلة وبعدين قال:
“أنا مش عايزك تتسرعي في أي قرار يا بنتي، بس عايزك تعرفي إن اللي يمد إيده على حقك مرة هيحاول يعملها تاني. لازم تحفظي كل ورقة وكل دليل.”
وبالفعل بدأنا نرتب المستندات ونتواصل مع محامي عشان نعرف حقوقي القانونية ونحافظ على ملكيتي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
في نفس اليوم بليل وصلتني رسالة من نجلاء:
“مدام مريم، أنا لقيت ورقة تانية في ملف رائد ومش عارفة أقول لحضرتك إزاي، بس لازم تشوفيها.”
وبعدها بعتت صورة.
كانت صورة طلب تمويل بنكي باسم رائد، ومرفق بيه مستندات تخص شقتي أنا!
قربت الصورة من عيني وبدأت أقرأ التفاصيل.
لقيت رقم بطاقتي ورقم عقد ملكية شقتي وبيانات العقار بالكامل.
وتحت خانة الضمان كان مكتوب إن الشقة مخصصة كضمان لالتزام مالي!
صرخت من غير ما أحس.
إزاي رائد استخدم بيانات شقتي في طلب تمويل من غير علمي؟
وفي اللحظة دي سمعت صوت رائد من ورايا:
“إنتِ بتعملي إيه يا مريم؟”
اتجمدت مكاني وقفلت الموبايل بسرعة.
قرب مني وقال:
“مين اللي بيبعتلك في الوقت ده؟”
بصيتله وقلت:
“واحدة من الشغل.”
مد إيده ومدها ناحية الموبايل وقال:
“طب وريني.”
سحبت إيدي بهدوء وقلت:
“فيه إيه يا رائد؟ هو إنت بقيت بتفتش ورايا؟”
اتغيرت ملامحه وقال:
“أنا جوزك ومن حقي أعرف مين بيكلمك.”
ابتسمت وقلت:
“وأنا مراتك، ومن حقي أعرف إنت مأجر شقة في التجمع ليه، واسم داليا اللي موجود في شهادة ميلاد بنتك إيه علاقته بيك.”
وشه اتغير في ثانية.
الابتسامة اختفت وعينيه وسعت وبصلي كأنه لأول مرة يشوفني.
قال بصوت واطي:
“إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟”
وقبل ما أقدر أرد، اتفتح باب الشقة ودخلت حماتي وهي شايلة شنطة كبيرة.
بصت لرائد وبعدين بصتلي وقالت بارتباك:
“إنتِ قلتي لها يا رائد؟”
ساعتها عرفت إن فيه سر تاني أكبر من اللي اكتشفته.
رائد بص لأمه بعصبية وقال:
“إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟”
ردت وهي بتبصلي:
“أنا جيت عشان خلاص مفيش وقت. البنت لازم تعرف الحقيقة قبل يوم الاتنين.”
بصيتلها وقلت:
“أنهي حقيقة يا طنط؟”
حماتي حطت الشنطة على الأرض وقعدت على الكنبة وقالت بصوت مبحوح:
“داليا مش مجرد واحدة في حياة رائد يا مريم. داليا دي كانت مراته قبل ما يعرفك.”
حسيت إن قلبي وقف.
مراته؟!
بصيت لرائد اللي كان واقف ساكت ومش قادر يرفع عينه في عيني.
لكن حماتي كملت كلامها وهي بتعيط:
“والأصعب من كده، إن الشقة اللي إنتِ فاكرة إننا عايزين ننقل فيها عشان أنا أعيش مرتاحة، مش هي السبب الحقيقي.”
سألتها وأنا بحاول أتماسك:
“أمال السبب الحقيقي إيه؟”
بصت لرائد وقالت:
“قوله يا رائد. قولها إنت ناوي تعمل إيه في شقتها.”
رائد صرخ فيها:
“اسكتي يا أمي!”
لكنها كملت وهي بتطلع ورقة من شنطتها وتحطها قدامي.
بصيت للورقة ولقيتها صورة من طلب بيع عقار.
عقاري أنا!
وكان فيه توقيع منسوب ليا، وأنا عمري ما مضيت الورقة دي.
رفعت عيني وبصيت لرائد وقلت بصوت مليان غضب:
“إنت كنت ناوي تبيع شقتي من ورايا؟!”
رائد قرب مني وقال:
“اسمعيني يا مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
رجعت خطوة لورا وقلت:
“إوعى تقرب مني. أنا عايزة أفهم حاجة واحدة بس. إنت استخدمت بياناتي وإمضتي في ورق بيع شقتي ليه؟”
سكت.
وفي اللحظة دي حماتي قالت جملة خلتني أفهم إن اللي بيحصل أكبر بكتير من مجرد طمع في شقتي:
“عشان رائد عليه التزامات مالية كبيرة يا مريم، ولو الفلوس متدفعتش قبل آخر الشهر، ناس مش هتسيبه في حاله. وهو كان فاكر إن شقتك هي الحل الوحيد.”
بصيت لرائد وقلت:
“والـ12 ألف و800 اللي بتدفعهم كل شهر؟ والبنت اللي اسمها ليان؟ وداليا؟”
نزل عينه للأرض وقال:
“أنا كنت هحكيلك كل حاجة.”
ضحكت بمرارة وقلت:
“بعد ما تبيع بيتي؟ بعد ما تضيع تعبي؟ بعد ما تاخد حقي؟”
وفجأة موبايله رن.
بص للشاشة واتغير لون وشه.
حماتي سألت بقلق:
“مين يا رائد؟”
رد وهو بيحاول يخفي ارتباكه:
“صاحب الشقة.”
لكن حماتي خطفت الموبايل من إيده، وبمجرد ما شافت الاسم صرخت:
“يا نهار أسود! ده مش صاحب الشقة، ده الراجل اللي كان بيدور عليك بسبب الفلوس!”
رائد حاول ياخد الموبايل منها، لكني كنت أسرع وخدت صورة من الشاشة.
وقبل ما المكالمة تنتهي وصلته رسالة جديدة.
قرأتها من غير ما أقصد، وكانت مكتوب فيها:
“آخر فرصة ليك يا رائد. إحنا عرفنا إنك بتحاول تبيع الشقة اللي مش ملكك. لو الفلوس موصلتش بكرة الصبح، هنضطر نكشف كل حاجة لمراتك وللجهات المختصة.”
بصيت لرائد وقلت:
“واضح إن فيه ناس عارفة عنك أكتر مني.”
لكنه مردش.
وفي اللحظة دي رن جرس الباب.
رائد اتجمد مكانه، وحماتي حطت إيدها على صدرها.
سألته:
“مين اللي على الباب؟”
رد بصوت مبحوح:
“أنا معرفش.”
لكن قبل ما أتحرك ناحية الباب سمعت صوت راجل من بره بيقول:
“افتح يا رائد، إحنا عارفين إنك جوه، ومعانا الورق الأصلي اللي يثبت إنك عملت إيه في شقة مراتك.”
بصيت لرائد وابتسمت ابتسامة باردة وقلت:
“شكل يوم الاتنين جه بدري يا رائد… بس المرة دي مش أمك اللي هتنقل لشقتي.”
وفجأة الباب اتفتح وظهر راجل شايل ملف كبير وقال أول جملة خلت حماتي تنهار في العياط:
“إحنا مش جايين عشان الالتزامات بس يا مدام مريم، إحنا جايين نكشفلك مين اللي تلاعب في إمضتك، وإمتى عمل كده، وليه كان مستعجل يخلص بيع الشقة قبل ما تعرفي الحقيقة.”
وساعتها اكتشفت إن الشخص اللي كان بيساعد رائد في كل اللي حصل مش غريب ولا بعيد…
ده كان شخص من أقرب الناس ليا!
وقفت مكاني وأنا ببص للراجل اللي دخل الشقة والملف الكبير في إيده، وحسيت إن قلبي بيدق بطريقة هتوقفني عن التفكير.
رائد كان واقف وشه أصفر، وحماتي بتعيط وبتحاول تخبي وشها بإيديها.
الراجل بصلي وقال:
“أنا اسمي حسام، وكنت شغال مع جوز حضرتك في نفس الشركة، وعندي معلومات لازم تعرفيها قبل ما تتصرفي في أي حاجة.”
بصيت لرائد وقلت:
“إنت تعرفه؟”
رد رائد بسرعة:
“ده واحد بيحاول يلبسني مسؤولية مش مسؤوليتي عشان يخلص مني.”
حسام ضحك بسخرية وقال:
“لسه بتكدب يا رائد؟ بعد كل اللي عملته؟”
فتح الملف وطلع مجموعة أوراق وحطها قدامي.
قال:
“دي صور من طلب التمويل اللي رائد قدمه بضمان شقتك، ودي صورة من التوكيل اللي استخدمه عشان يحاول يبيعها.”




