
أوضة.
اللحظة دي مكنش فيها صوت غير شهقاتنا وبكانا اللي هز حيطان المكتب كله. كنا بنمسك وشوش بعض، نتحسس نفس الملامح، نفس الشبه اللي أبويا كان بيكرهه فيا طول السنين دي عشان بيفكره بخطيئته! 28 سنة محرومين من بعض، عايشين في بلاد مختلفة، بس دمنا اتلاقى في ثانية واحدة كأننا عمرنا ما افترقنا.
سعاد كانت پتبكي وتمسح دموعها، وجت ضمتنا إحنا الاتنين في حضنها، وقالت بصوت مليان إيمان سبحانك يا رب… سبحان مجمع الشتات بعد ما ظنوا ألا تلاقيا! ربنا مبيضيعش حق حد، وربنا جمع الشمل على كبر!
لكن في وسط كل المشاعر دي… أحلام وقفت قدام عثمان، ووشها اتحول للجدية التامة. شاورت
للمحامي، اللي حط قدام عثمان إقرار قانوني رسمي ودعوى قضائية جاهزة للرفع في النيابة.
أحلام بصت لعثمان وقالت له بحسم دلوقتي يا عثمان… الحساب جه وقته. إنت طول السنين دي مش بس أهملت بنتك وذليتها وشككت في نسبها وشرفها وشرف الست اللي صانت بيتك، إنت عملت چريمة تزوير، وچريمة إنكار نسب، وچريمة ابتزاز زمان. الأوراق دي كلها، بتحاليل ال DNA لنور ولمريم وليا وليك، جاهزة تتقدم للمحكمة بكرة الصبح.
والڤضيحة اللي كنت بتجري منها طول عمرك وبتحسب لها ألف حساب عشان شركتك وسمعتك ومركزك في السوق… هتبقى مانشيتات على كل مواقع الأخبار والجرائد، واسم الحاج عثمان صاحب أكبر شركة
مقاولات هيبقى على كل لسان!
عثمان مسك صدره بإيديه الاتنين، ركبه سابت ووقع من على الكرسي قعد على ركبه قدام رجل أحلام وسعاد، كان بيبكي پهستيريا، وشكله بقى يثير الشفقة والقرف في نفس الوقت أبوس رجليكم… بلاش الڤضيحة دي على كبر! أنا راجل بخلص حياتي، سمعتي هي اللي فاضلالي! اطلبوا اللي أنتم عايزينه… أنا مستعد أتنازل عن كل حاجة! الفلوس، الشركة، الشقق، كل حاجة مريم ونور وأنتِ تاخدوها، بس متكسرونيش قدام الناس!
أحلام وطت وبصت في عينيه بكل برود وقالت له إنت اللي كسرت نفسك بنفسك يا عثمان من 28 سنة. إحنا مش جايين نشحت منك، نور مش محتاجة مليم من فلوسك، وأنا عملت
لها
وة بالحلال متقلش عن ثروتك المشپوهة. بس مريم… مريم هتاخد حقها تالت ومتلت بالقانون ومن غير ما تمن عليها ولا بجنيه!
هتكتب نص أملاكك وشركتك لمريم بيع وشراء نهائي ونافذ النهارده، وهتكتب لشقة مصر الجديدة وكل ما تملك من عقارات تانية لسعاد، الست اللي ضيعت شبابها وعمرها تستحمل قرفك ووساختك، وتطلقها بهدوء وباحترام وتاخد مؤخرها ونفقتها كاملة! والشرط التاني… هتكتب اعتذار وإقرار رسمي بنسب مريم ونور قدام عائلة حسام خطيب مريم وقدام كل الناس، وتقول للكل إن الشك اللي كان عندك كان سببه وساوس في عقلك المړيض، وإن مريم أشرف من أي حد عرفته في حياتك!
عثمان رفع إيد بتترعش، وبص لسعاد ولبناته، لقى في عيون الكل نفس النظرة مفيش رحمة لمغتصب الحقوق وظالم الضعفاء. هز راسه باستسلام وقال بصوت مېت موافق… موافق على كل شروطكم… بس أرجوكم خلصوا الموضوع من سكات.
في نفس اليوم،
وفي الشهر العقاري، وتحت إشراف الأستاذ مصطفى المحامي، عثمان مضى على كل التنازلات. مضى على نقل ملكية نص الشركة وأملاكه الكبيرة باسمي، ومضى على نقل شقة مصر الجديدة وعمارة تانية باسم أمي سعاد، وطلقها طلقة بائنة بعد 36 سنة جواز، خرج منها هو المفلس والمنكسر والمطرود من قلوب الجميع.
بعد أسبوعين… كانت قاعة كتب الكتاب في أكبر فندق على النيل بتلمع بالنور والفرحة. كنت لابسة فستان فرحي الأبيض، وحسام خطيبي واقف جنبي عينه بتلمع بالحب والاعتزاز، وكان فخور بيا قدام كل أهله وصحابه.
وعلى الترابيزة الرئيسية، مكانش فيه عثمان. عثمان كان قاعد لوحده في شقة صغيرة على أطراف القاهرة، مريض بالقلب والندم، بياكل في نفسه بعد ما حسابه في الدنيا بدأ قبل الآخرة.
لكن كان حواليا أعظم عيلة ربنا عوضني بيها أمي سعاد، اللي ضحت بعمرها وربتني وحبتني أكتر من روحها، قاعدة ولابسة أحسن فستان
ومبتسمة ابتسامة راحة ورضا عمري ما شوفتها في وشها قبل كده. وأمي أحلام، الست القوية اللي حاربت الدنيا عشان تحمي بناتها ورجعت في الوقت المناسب عشان ترجع الحق لأصحابه. وأختي ونور عيني… نور، توأمي اللي بقت
واخدة إيدي في إيدها ومسيبتنيش ثانية واحدة طول الفرح، كأننا بنعوض كل السنين اللي اتسرقت مننا.
لما وقفت في نص القاعة وسط الزفة، بصيت لسعاد ولأحلام ولنور، وابتسمت من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني. عرفت ساعتها إن الظلم ممكن يعيش سنين طويلة ويفتكر نفسه كسبان، لكن لما الحقيقة بتقرر تظهر… بتكنس في طريقها كل الشك والخۏف، وإن الحب والوفاء اللي اتزرع في قلبي من الست سعاد كان هو السند الحقيقي اللي خلاني مريم اللي الكل بيفتخر بيها النهارده.
الحكاية قفلت بابها، والأيام المظلمة بقت ورا ضهري للأبد، وبدأت حياتي الجديدة، مش بنت الشك والعاړ… لكن بنت الوفاء والكرامة
والحق.




