
كان يحملها كالمجنون ويصرخ ليجمع الأطباء عليها بعد أن وجدها أصيبت في ذراعها الأيمن وقد أغمي عليها. يشعر بأن روحه تخرج من جسده، ثيابه مشبعة بأثر الجرح. يصرخ في المستشفى ليجتمع الأطباء والممرضون، دخل معهم إلى الطوارئ عنوة، يمسك بذراعها السليمة يردد بقلة حيلة اسمها برجاء.
مهران بانهيار: شوق.. شوق.. حبيبتي اصحي عشان خاطري متعمليش فيا كده.
لحظة، هناك شيء ساخن ينزل من عينيه، هل هو يبكي الآن؟ كيف حدث هذا؟ أيعقل مهران الجبالي المعروف بقسوة القلب تنزل دموعه لأجل امرأة؟ غير آبه بمظهره أمام الجميع يردد اسمها، علّ روحه تهدأ، علّ نبضات قلبه تنتظم.
يردد بغصة: شوق حبيبتي اصحي، مش قادر لو حصلك حاجة، اصحي عشان خاطري.
لم يسمع صوت ذلك الطبيب الذي أمرهم بإخراجه ليؤدي عمله، وهو يحيط وجهها بكفيه يحاول إيقاظها، يردد بغضب: صحوها، لو حصلها حاجة هتحصلوها، وعزت جلال الله هتحصلوها.
يبدو أن مهران فقد آخر ذرة بعقله اليوم، يتكلم دون وعي، لا يرى سوى مظهرها وهي غافلة ووجهها شاحب. شعر بشيء يغرز بعنقه وبعدها غشي عليه وهو يحاول التكلم ليسقط أرضًا، فلم يستطع الممرضون السيطرة عليه سوى بإعطائه مهدئًا.
أخذت تأكل بشراهة متناسية ثيابها والمكياج البسيط الذي حدثها عنه، غير آبهة بتنبيهاته.
غيث بتوتر: على مهلك، يخربيتك، إيه، مأكلتيهاش قبل كده؟
مريم: انت عارف أنا بحبها أوووي، متقولش على مهلك.
غيث بقلق: طب بالراحة، هطلبلك تاني، بس دي والنبي كليها بالراحة.
ليكرر بنفسه: شكلها هتبوظ الدنيا ونقضي باقي الوقت بالمشفى.
لكنها تفاجأت بشيء داخل فمها لتخرجه من فمها وتصدم بخاتم لامع. قامت بمسحه بالمنديل الورقي ونظرت إليه باستغراب ليبتسم ببلاهة مرددًا: الحمد لله مطفحتيهوش.
مريم رفعت الخاتم أمامه مرددة: يعني إيه ده؟ انت ا…
لتصمت وتتبدل ملامح وجهها وهي تنظر إليه بصدمة.
حتى فاجأها وهو ينهض من خلف الطاولة ويجلس على الكرسي بجانبها مرددًا وهو يمسك يدها بلطف.
غيث: حبيت أتقدملك عن طريق أحب حاجة ليكي، مالقيتش إلا الآيسكريم بالشوكولاتة، إيه رأيك؟
مريم بتلعثم: تتت… تتت.. تتقدم؟
لتحرك رأسها تحاول استيعاب كلماته. أمسك وجهها بين كفيه مرددًا بود: مريم، أنا حابب جوازنا يبقى رسمي، حابب إننا نتمم الجوازة دي، عشان أنا حاسس إنك الوحيدة اللي لمست قلبي. بعد ما عرفتك كويس، حاولت كتير أتعرف على بنات وأخرج زي الأول وأصيع، بس مبقتش عارف، كل ما أحاول أبعد وأنسى، بلاقيكي معايا، ضحكتك كلامك هبلك، كل حاجة بقيتي معايا بكل مكان.
عارف إن جوازنا كان ليه ظروف وحشة، عشان كده حابب أعوضك، وأنسيكي كل اللي حصل. مريم، تقبلي تتجوزيني بجد، مش انتقام ولا أي حاجة؟
نهضت بتوتر وارتباك وغصة لتقول بقوة مصطنعة: لأ.
غيث بصدمة: مريم؟
استيقظ يشعر بدوار في رأسه. نظر حوله ليتذكر شوق ومظهرها وهي في تلك الحالة. نهض بفزع ليدخل الطبيب مرددًا: كويس إنك صحيت.
أمسكه مهران من تلابيب قميصه مرددًا بغضب: مراتي فين؟ شوق فين؟ انطق.
الطبيب: اطمن يا بيه، المدام بخير.
مهران بانفعال: هي فين؟ وديتوها فين؟
أمسك الطبيب يده بمجاراة مرددًا بهدوء وتفهم: أنا مقدر اللي انت فيه وخوفك عالمدام، بس اطمن المدام الحمد لله كويسة، وزي الفل، وكمان عرفنا نوقف النزيف، والبيبي بخير.
بيبي؟ قالها مهران بتفاجأ.
الطبيب: آه، المدام بقالها تقريبًا أسبوعين أو أقل، حامل.
مهران بصدمة: حامل؟
كررها يحاول استيعاب ما سمعه، هل حقًا كادت أن تفقد نفسها وطفلهما؟ إلى أي مرحلة أوصلها الآن؟ لكن ما هو ذنبه؟ هو… ليردد بتلعثم: طب هي فين؟
الطبيب: نقلناها أوضة عادية، تالت أوضة على إيدك اليمين. حمد لله عالسلامة، وهبقى أعدي عليها الصبح.
مهران بحرج: أنا معرفش أقولك إيه، ممكن أكون اتخضيت على مراتي.
الطبيب بتفهم: ولا يهمك، بعد إذنك.
غادر الطبيب وأسرع مهران إلى غرفتها ليجدها نائمة بعمق، وجهها البريء، ملامحها التي يعشقها. قبل جبينها بحنو ليجلس على الأرض بتعب، يستند برأسه على السرير، ليقول بضعف لم يعهده على نفسه: عاوزة تسيبيني يا شوق؟ عاوزة ترحلي أنت وابننا؟ عندك حق، أنا واحد محدش بيحبه أبدًا، حتى انتي مش بتحبيني، عارف. عارف إنك اتجوزتيني عشان تخلصي من عمك ومراته، وأنا كمان اتجوزتك عشان أخلص من زن بابا.
مكنتش عارف إني هحبك، أصلًا مكنتش عارف إن جوايا الحب ده. عارفة أنا عمر محد حبني، الست اللي بيقولوا إنها أمي سابتني وراحت مع عشيقها، وبابا رماني بمدرسة داخلية عشان ما يزعلش مراته وابنه اللي طلع معرفش منين، عمران. عشت عمري كله وحيد، كنت بموت ألف مرة لما بفتكر كلامهم: أمك خاينة، خانت أبوك. كنت بشوف الستات كلهم صنف واحد لحد ما قابلتك وحبيتك، حاولت أنسى الماضي بيكي، لكن مفيش حاجة تمشي زي ما إحنا عاوزين. لما شفتك مع الشخص ده وانتي في حضنه، افتكرت الست اللي بيقولوا إنها أمي، افتكرت خيانتها، اتجننت، معرفش عملت فيكي كده إزاي يومها.
لو حابة تمشي، لو حابة أتخلى عنك، هسيبك.
ابتلع ما بجوفه بغصة ونزلت دمعة ساخنة على وجنته وهو ينظر إليها بعشق مرددًا باختناق: عاوزة تتطلقي؟ حاضر، هعملك اللي انتي عاوزاه، بس متعمليش بروحك كده تاني. وجودك بالدنيا دي هو اللي مديها طعم مع كل المر اللي حوليا. هتبقي حرة بعد كده، بس انتي خفي، خفي يا شوق، خفي بسرعة يا حبيبتي.
خرجت شهقات شوق ودموعها التي ملأت وجهها.
يتبع…
دميتي الجميلة 38
فتحت عينيها لتجده يتكئ على كفه يراقبها بتمعن، فور أن فتحت عينيها اتسعت ابتسامته لينحنى ويقبل وجنتها مرددًا بهمس أذابها: صباح الورد يا جنتي.
الروايه بقلم نوره عبد الرحمن.
حاولت أن تعتدل بجلوسها بخجل، لكنه أحاط خصرها بذراعه ويده الأخرى تبعد خصلات شعرها بهدوء.
حسن: شكلك تعبانة.




