
قرب من المكنة ومد إيده الخشنة يلمس خشبها، بس إلهام حطت إيدها قدامه ووقفته بحزم إيدك متلمسش حاجة مش بتاعتك يا عطوة.. المكنة دي رماها سيدك في التراب قدام بنتي وقدام أهل الشارع كلهم، وقالي باللسان اللي هيدخل العذاب بيعيها، استعمليها، ارميها في البحر.. والمكنة دي بقت رزقي ورزق اليتيمة دي، وملوش عندي لا حبة ولا قيراط.
عطوة ضحك ضحكة مكتومة هزت كتافه العريضة يا ست إلهام، أنتي عارفة مدحت بيه وعارفة جبروته.. هو مبيرميش حاجة تطلع منها مصلحة. لما عرف إن المكنة شغالة وبتجيب زباين، حز في نفسه إنك عملتي من وراها اسم في بلده ومن غير ما تاخدي إذنه.. ده غير إن الست هانم مراته سمعت باللي حصل وقالت له البت دي جاية هنا تعمل لنا فضيحة في البلد وتفرّج علينا الخَلق.. فالبيه بيقولك هاتي المكنة، وتاخدي ميتين جنيه تمشي بيهم حالك وتفارقي البلد دي قبل ما الشمس تغيب النهاردة.
إلهام حست بدمها بيغلي، الظلم القديم كله صحي في لحظة واحدة؛ طردتها من بيتها، تشردها في الشوارع، ذل بنتها، وفوق كل ده الجشع اللي مبيشبعش! قول لمدحت.. المكنة دي مش هتدخل بابه تاني لو انطبقت السما على الأرض. وقوله إلهام اللي كانت بتبكي على عتبتك وبتترجاك عشان لقمة، خلاص غابت. ورجلي مش طالعة من البلد دي.. البلد دي بلدي زي ما هي بلده، وورايا رب كبير مبيسيبش حق الغلابة.
عطوة وشه اتقلب، وعينيه ضاقت بشر أنتي بترفضي كلام مدحت بيه يا إلهام؟ أنتي ناسية هو مين في البلد دي؟ ده بكلمة منه للدريسة يقفلوا لك الدكان ده باللي فيه ويطردوكِ برة المركز كله!
في اللحظة دي، صوت جهور وواثق جه من ورا عطوة على العتبة ومين اللي يقفل دكان مستأجر بشرع الله وبورقة رسمية يا عطوة؟!
عطوة اتلفت بسرعة، لقى الشيخ حسن واقف وساند على عكازه، وجنبه المعلم رضوان صاحب الدكان، ووراهم اتنين من كبارات السوق اللي كانوا بيصلوا العصر في الجامع.
المعلم رضوان، راجل مسن بس له هيبة وكلمة مسموعة في البلد، خبط بعصايته على الأرض وقال الدكان دكاني يا عطوة، والست إلهام مأجراه مني ودافعة حقها ست شهور مقدم، ومحدش له كلمة عليها في ملكي. روح قول لمدحت، رضوان بيقولك اكفي قدرتك على فمها، وبلاش فرعنة على الولايا.. لحسن كلام زمان القديم لو اتفتح، فيه ناس كتير هتنزل روسها في الطين!
عطوة بلع ريقه لما لقى رجالة السوق والشيخ حسن واقفين حيطة سد قدامه. عرف إن الحكاية مش سايبة، وإن إلهام مابقتش مقطوعة زي ما دخلت البلد أول يوم. رجع خطوتين لورا وبص لإلهام بنظرة توعد ماشي.. الكلام هيوصل للبيه بحروفه.. بس افتكري كويس يا إلهام، أنتي اللي بدأتي المعاندة، واللعب مع الكبار عواقبه وحشة.
لف عطوة ومشي والتراب بيعفر ورا مداسه، وإلهام فضلت واقفة مكانها، صدرها بيعلا ويهبط. الشيخ حسن دخل الدكان، وقال بصوت حنين متخافيش يا بنتي، محدش يقدر يمسك بشعرة طول ما إنتي ماشية في الحلال والناس الطيبة دي حواليكي. إلهام بصت للشيخ حسن، وبصت لأرضية الدكان، وابتسمت ابتسامة غامضة مكنش حد فاهم سرها غيرها أنا مش خايفة يا عم الشيخ.. الخوف ده كان زمان.. دلوقتي أنا اللي هستنى مدحت يجيلي برجله.
بعد ما الناس مشيت والدكان فضي، دخلت نسمة في حضن أمها وهي بتترعش ماما.. هو الراجل الوحش ده هياخد مننا المكنة؟ إلهام مسحت على شعر بنتها وباستها في خدها محدش يقدر ياخد حاجة ربنا كتبها لنا يا نور عيني.. المكنة دي مش بس جابت لنا أكل وعيش.. المكنة دي هترجع لنا حقنا المسلوب شبر بشبر.
قعدت إلهام قدام المكنة، بس المرة دي ممسكتش المقص ولا مسكت القماش. طلعت المفك الصغير من الدرج، ونزلت تحت القعدة الحديد تاني. فكت المسمار الشمال، وسحبت الورقة المشمع اللي فيها العقد القديم ووصية ستيتة.
قرأت تاني الجملة اللي كانت بتزن في عقلها طول النهار أصل عقدها الأزرق دافناه تحت عتبة أوضة الخزين في البيت القديم.. ده شقا أبويا اللي انضحك عليا فيه وأنا صبية.
البيت القديم بتاع العيلة.. البيت المهجور اللي في طرف البلد التاني، اللي مدحت قافله من سنين وسايبه للغربان بعد ما بنى السرايا الجديدة على الأرض المسروقة. العقد هناك.. مدفون تحت العتبة.. ومفتاح العز كله، والخطر الداهم اللي هيلتف على رقبة مدحت وأطماعه، مستنيها تحت التراب في الضلمة.
بصت للسما من الشباك، وشافت النجوم بدأت تطلع في ليل البلد الهادي، وقالت في سرها وعينيها بتلمع بتحدي ناري الليل له عيون يا مدحت.. والسر اللي اندفن أربعين سنة، مش هيفضل مدفون أكتر من كده.. الليلة دي، لازم أروح البيت القديم!




