
— اهدي يا حبيبة واسمعيني كويس.. طول ما انتي بتسمعي كلامي وتنفذيه استحالة أبلغ عنك أو أئذيكي..
ثم تابع بثقة:
— عمر الرشيدي مش هيعمل فيكي حاجة.. لأنه وببساطة مش فاكر أي حاجة.
حبيبة بدهشة:
— إيه.. يعني إيه مش فاكر أي حاجة..
ثم شهقت وهي تولول بخوف وانهيار:
— قصدك الخبطة عملتله حاجة في عقله.. يا نهار أسود.. يا نهار أسود… أنا كنت عارفة الخبطة كانت شديدة قوي، وأكيد مكنش هيقوم منها بالساهل كده.
صرخ فيها شريف يسكتها بغضب:
— اخرسي بقى وبطلي ولولة.. عمر الرشيدي كويس وزي الحصان.. رجع لشغله وحياته وصفقاته.. بس…
ابتلعت حبيبة ريقها بخوف وهي تستمع إليه يبتسم بمكر:
— بس و لحسن حظنا نسي كل حاجة حصلت له في يوم الحادثة.
ثم تابع بتهكم:
— أو زي ما الدكاترة بيقولوا عنده فقدان ذاكرة جزئي.
صرخت حبيبة باستنكار:
— فقدان إيه.. إيه الكلام الفارغ اللي انت بتقوله ده.. انت فاكرني بسيطة وهتضحك عليا بالكلام الفارغ ده اللي انت بتقوله.
جذبها شريف فجأة بقسوة من ذراعها وهو يقول بغضب:
— اسمعي علشان أنا جبت آخري معاكي، قدامك حل من اتنين: إما تستعدي علشان تقضي بقية حياتك في الإجراء القانوني، وده طبعًا لو عمر ما حطش إيده عليكي الأول وخلص على اللي باقي من عمرك، أو تسمعي كلامي وتروحي تشتغلي عنده في فيلته، وكل حاجة تحصل هناك تبلغيني بيها..
ثم تابع بتأكيد وهو يشد على ذراعها بقسوة شديدة:
— انتي هتبقي هناك عنيا اللي بشوف بيها ووداني اللي بسمع بيها، وقبل ده كله هتبقي إيديا اللي بنفذ بيها..
ثم تابع وهو يحاول إقناعها:
— وقصاد اللي هتعمليه.. هتضمني حريتك.. ههربك بره البلد.. هديكي فلوس تبتدي بيها حياتك، والموضوع مش هياخد كام شهر، أنا وانتي نتحملهم، وفي الآخر كل واحد فينا هياخد اللي هو عاوزه ونتفارق أصحاب وإخوات زي ما كنا وأحسن كمان.
حبيبة ودموعها تتساقط بخوف:
— أنا خايفة يا شريف، افرض اتعرف عليا.
شريف بتأكيد:
— أنا متأكد انه مش هيتعرف عليكي.. وعشان تتأكدي، أنا روحت له المستشفى وقابلته وعملت نفسي بطمن عليه، وهو قابلني عادي ورجعني الشغل كمان، ودا بعد طبعًا ما تحججت له إني أخذت فلوس من الخزنة علشان أعالج أمي واعتذرت وتذللت له.. فوافق وأمرلي بفلوس مساعدة كمان.. أظن انه لو كان فاكر حاجة كان زماني مرمي في الإجراء القانوني، والا رجاله خلصوا عليا.
ثم ترك يدها وهو يشعل سيجارة أخرى:
— شوفتي، أنا خاطرت بنفسي علشان أتأكد ان حوار فقدانه للذاكرة صحيح، ومش لعبة منه.. ها أظن كده اطمنتي..
حبيبة بتردد:
— بس.. أقصد يعني.. انت هتستفاد إيه من كل ده؟ كمان أنا خلاص مبقتش عاوزه أتورط في مشاكلك أكتر من كده، كفاية اللي جرالي بسببك.
شريف وهو يقترب من باب الغرفة مغادرًا:
— هستفيد اني هبقى مسيطر على كل حاجة، انتي هتبقي عنيا في بيته، وأنا رجعت لشغلي تاني وهراقب كل حاجة من تاني، ومش هدي فرصة لا لمي ولا لأمها إنهم يلعبوا بديلهم من ورايا ويحفروا لي مصيبة عشان يتخلصوا مني ويكوشوا هما على كل حاجة.. أنا حاسس من ناحيتهم بالغدر، بعد كل حاجة ما باظت عاوزين يخلعوا ويتمموا الجوازة ويبقوا مخسروش حاجة، بس أنا مش لقمة سهلة، وفيها لا أخفيها وأطربقها فوق دماغهم.
ثم نظر لارتجافها الواضح بتهكم:
— اعملي حسابك هتروحي الفيلا من بكره، هتشتغلي مرافقة لجدة عمر، وياريت بلاش نغمة مش عاوزه أتورط في مشاكلك دي، انتي اتورطتي واللي حصل حصل.. بلاش تخليني أقلب عليكي انتي كمان، عشان قلبتي وحشة ملهاش غير طريقين: الإجراء القانوني أو النهاية.
ثم تركها وغادر، لترتمي أرضًا وهي تنهار في نوبة من البكاء الشديد.
بعد مرور يومين..
جلست حبيبة مساءً بداخل الغرفة الصغيرة المخصصة لها بجناح جدة عمر..
دولت هانم الشويحي، والتي تحتل جانبًا كبيرًا من الناحية الغربية للطابق الأرضي بقصر عمر الرشيدي، وهي تحاول النوم ولكنها لا تستطيع من شدة شعورها بالتوتر والقلق، فقد استلمت عملها من يومين وتفاجأت بمعاملة جدة عمر الطيبة لها، واكتشفت أنها سيدة رقيقة وعطوفة تتعامل معها بكل رقة وطيبة، تشركها بذكرياتها وأحاديثها المرحة الطيبة، مما يجعل وقت العمل يمر سريعًا وكأنها في نزهة ممتعة..
ولكن ما يثير حنقها ورعبها هو مكالمات شريف المستمرة لها واستفساره عن كل كبيرة وصغيرة تحدث بداخل القصر، واضطرارها لإجابته عن أسئلته التي لا تنتهي..
بالإضافة لقرب وصول عمر الرشيدي للقصر، فهو قد أخفى عن جدته أخبار الحادث الذي تعرض له كي لا تتأثر صحتها الواهية بهول إصابته، وأقام بإحدى الشقق المملوكة له حتى يكتمل شفائه.
تقلبت في الفراش بأرق وهي تشعر بعدم رغبتها في النوم، وعقلها يبحث عن مخرج من الكارثة التي أحلت بها، لتنهض فجأة وهي تحدث نفسها بغضب:
— فاكر اني هصدقه تاني؟ والا هورط نفسي في طريق غير سليم اللي عاوز يمشيني فيه؟ بس ده مستحيل.. أنا هطاوعه وهحسسه اني موافقة على كل اللي بيطلبه لحد ما يطمن، وآخد مرتب الشهر ده وأسافر بعيد، شرم والا الغردقة، والا حتى أسوان، أشتغل هناك في مكان بعيد عنه وعن القرف ده كله..
لتتابع برجاء:
— بس أتأكد انه عمر ده فعلًا مش فاكرني ولا فاكر اللي عملته فيه، ههرب منهم لآخر مكان في العالم وأختفي بعيد عنهم كلهم.
ثم تنهدت براحة بعد قرارها الأخير وهي تجمع شعرها في عقدة فوق رأسها غير مرتبة، وتسحب حجابًا صغيرًا وضعته فوق رأسها دون أن تهتم بإحكام وضعه، وهي تقول بعدم صبر:
— طيب كده خلاص.. عرفت هعمل إيه، واللي اسمه عمر ده أكيد مش هيجي هنا دلوقتي.. يبقى أنا قلقانة ومش عارفه أنام ليه..
ثم تنهدت بفروغ صبر وهي تتأمل الفراش بقلة صبر:
— يووه، أنا هروح أجيب حاجة دافية أشربها يمكن أعرف أنام.
ثم نظرت بانتقاد للبيجاما الوردية القديمة التي يزينها صور لطيفة لبعض شخصيات الكرتون، وهي تقول بتعب:
— أنا لسه هغير.. زمان الكل نام، ومش مستهلة تغيير، أنا هجيب حاجة دافية أشربها وأرجع جري من غير ما حد يحس.
ثم خرجت بهدوء وهي تتلفت حولها بقلق خوفًا من أن يراها أحد بملابس النوم، ليواجهها القصر الغارق في الظلام والهدوء الشديد.




