منوعات

زعيم المافيا تجاهل كل النساء

كان أدهم الشافعي يراقبها بصمت.

لكنه لم يكن يعلم أن هناك شخصًا آخر يراقبها أيضًا…

رجل يقود دراجة نارية، تلقى قبل دقائق رسالة قصيرة من رقم مجهول:

“البنت خرجت من القصر… خلّصوا الموضوع قبل ما توصل بيتها.”

أدار سائق الدراجة النارية المحرك ببطء.

كان يراقب سارة من نهاية الشارع، بينما كانت تسير بخطوات متعبة نحو موقف الأتوبيس، لا تحمل سوى حقيبتها القماشية وعلبة طعام فارغة.

ضغط على سماعة الأذن.

“الهدف بيتحرك.”

جاءه الرد سريعًا:

“ممنوع دوشة… خلّصها وخليها حادث.”

على الجانب الآخر…

كانت سيارة أدهم لا تزال متوقفة.

لاحظ حارسه الشخص نفسه للمرة الثالثة.

قال بهدوء:

“باشا… فيه موتوسيكل من ساعة ما البنت خرجت وهو واقف.”

لم يحول أدهم نظره.

“أنا شايفه.”

بعد ثوانٍ…

تحركت سارة.

فتح سائق الدراجة الغاز، وانطلق خلفها.

وفي اللحظة نفسها…

قال أدهم كلمة واحدة فقط:

“اتحرك.”

انطلقت السيارة السوداء كالسهم.

—

وصلت سارة إلى ممر ضيق يؤدي إلى موقف الأتوبيسات.

كان الشارع شبه خالٍ.

أضاء أحد أعمدة الإنارة ثم انطفأ من جديد.

شعرت بقشعريرة غريبة.

التفتت خلفها.

لم تجد أحدًا.

أكملت السير.

وفجأة…

ارتفع صوت محرك الدراجة بقوة.

استدار الرجل نحوها بسرعة وكأنه سيفقد السيطرة.

اتسعت عينا سارة.

لم يكن أمامها وقت لتتحرك.

لكن…

قبل أن تصل الدراجة إليها بأمتار قليلة…

اندفعت سيارة سوداء فاخرة بينهما.

صرير عنيف للإطارات.

ارتطم سائق الدراجة بجانب السيارة، فسقط أرضًا وتدحرج عدة أمتار.

صرخت سارة من شدة المفاجأة.

فتح باب السيارة.

نزل أدهم بهدوء، وكأن ما حدث أمر عادي.

اقترب من الرجل الساقط.

كان يحاول سحب أداته الصغيرة.

لكن أدهم دفع الأداة بعيدًا بقدمه.

ثم انحنى والتقط الهاتف الذي سقط من جيب الرجل.

نظر إلى آخر رسالة.

قرأها مرة واحدة…

فتغيرت ملامحه.

المرسل لم يكن رأفت.

ولم يكن أحد رجال التحصيل.

كان الاسم الذي ظهر على الشاشة…

“نادر الشافعي.”

شقيقه الأصغر.

—

رفع أدهم رأسه ببطء.

عيناه تحولتا إلى جليد.

همس لنفسه:

“مستحيل…”

كان يعلم أن نادر يكرهه، ويختلف معه في إدارة الكيان.

لكن أن يحاول إيقاف فتاة عاملة نظافة…

فهذا لا معنى له.

إلا إذا…

كان يعرف شيئًا عنها.

—

في تلك الأثناء، كانت سارة ترتجف.

اقترب منها أدهم لأول مرة.

وسألها بنبرة هادئة:

“إنتِ كويسة؟”

هزت رأسها وهي تحاول استيعاب ما حدث.

ثم قالت بتلعثم:

“حضرتك… أنقذت حياتي.”

لم يجب.

بل سأل سؤالًا أربكها تمامًا:

“أبوك اسمه إيه؟”

نظرت إليه باستغراب.

“الله يرحمه… محمود عبد الرحيم.”

“وجدك؟”

“عبد الرحيم محمود.”

ظل صامتًا.

ثم سأل:

“أمك عمرها اشتغلت في قصر الشافعي؟”

تجمدت سارة.

كيف عرف ذلك؟

ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:

“أيوه… كانت خدامة هنا من زمان… قبل ما تغيب.”

في تلك اللحظة…

أغلق أدهم عينيه لثانية واحدة.

لأنه تذكر شيئًا دفنه في ذاكرته منذ أكثر من عشرين عامًا…

طفلة صغيرة كانت تختبئ خلف فستان أمها داخل هذا القصر…

وفي الليلة التي اختفت فيها أمها فجأة…

سمع والده يقول جملة لم يفهمها وقتها:

“البنت دي لازم تخرج من هنا… لأنها لو كبرت، هتبقى أخطر سر في عيلة الشافعي.”

وقف أدهم مكانه.

لم يشعر ببرودة الليل.

ولا بصوت سيارات الحراسة التي بدأت تتوافد إلى المكان.

كل ما كان يسمعه…

هو صدى كلمات والده.

“البنت دي لازم تخرج من هنا… لأنها لو كبرت، هتبقى أخطر سر في عيلة الشافعي.”

رفع نظره إلى سارة.

كانت ترتجف، تضم حقيبتها القديمة إلى صدرها، ولا تفهم لماذا يحدق بها بهذه الطريقة.

قطع الصمت صوت طارق وهو يهبط من إحدى السيارات.

“أدهم! إنت كويس؟”

أشار أدهم إلى الرجل على الأرض.

“خدوه… صاحي.”

اقترب الحراس بسرعة، لكن أحدهم صاح فجأة:

“باشا… عضّ على كبسولة!”

اندفع أدهم نحوه.

أمسك فكه بقوة محاولًا إخراج ما في فمه.

لكن بعد ثوانٍ…

بدأ الزبد يخرج من فم الرجل.

واتسعت حدقتاه.

ثم…

سكن تمامًا.

نظر الطبيب الذي وصل مع الحراسة إلى أدهم وهز رأسه.

“غادر الحياة بمادة غير معروفة.”

شد أدهم قبضته بقوة.

الشخص الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة…

غاب.

التفت إلى سارة.

قال بهدوء:

“اركبي العربية.”

تراجعت خطوة إلى الخلف.

“لا… شكرًا يا فندم، الأتوبيس هييجي دلوقتي.”

قال بنبرة لا تحتمل النقاش:

“فيه حد حاول يوقفك من دقيقة.”

ارتبكت.

“يمكن كان حادث…”

قاطعتها وهي تنظر إلى الرجل الذي سكن.

ثم همست:

“ده… غاب؟”

لم يجبها.

بل فتح باب السيارة بنفسه.

“اركبي.”

بعد عشرين دقيقة…

دخلت السيارة بوابة جانبية للقصر.

نظرت سارة حولها بدهشة.

“إحنا رجعنا هنا؟”

أومأ أدهم.

“هتقعدي الليلة هنا.”

شهقت.

“مستحيل! لو الشركة عرفت إني قاعدة في القصر هتفصلني.”

قال طارق وهو يبتسم لأول مرة:

“بعد اللي حصل… الشركة كلها هتستناك.”

لكن سارة هزت رأسها بعناد.

“أنا لازم أروح لأخويا.”

توقف أدهم.

“أخوكي فين؟”

“في الشقة.”

نظر إلى أحد الحراس.

“هاتوا كريم هنا… حالًا.”

في الوقت نفسه…

داخل أحد القصور الأخرى.

كان نادر الشافعي يدفع كأسًا زجاجيًا بعيدًا بيده من شدة الغضب.

صرخ في وجه رأفت:

“قلتلك تتأكد إنها توقف!”

قال رأفت وهو يتصبب عرقًا:

“أدهم ظهر فجأة.”

دفعه نادر بعيدًا.

“أنت غبي!”

ثم فتح درج مكتبه.

وأخرج ملفًا قديمًا جدًا…

اصفرّت أوراقه من الزمن.

على الغلاف كتب بخط اليد:

“ممنوع الفتح… بأمر الحاج فؤاد الشافعي.”

فتح الملف.

أول صورة كانت لامرأة شابة ترتدي زي خادمات القصر.

تحت الصورة اسمها:

ليلى محمود.

والدة سارة.

أما الصورة الثانية…

فكانت لطفلة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات.

شعرها البني مربوط على شكل ضفيرتين صغيرتين.

وفي ظهر الصورة…

جملة واحدة فقط.

“الطفلة تحمل العلامة.”

ابتسم نادر ابتسامة باردة.

وهمس:

“لو أدهم عرف معنى العلامة… كل اللي بنيناه هيقع.”

ثم التقط هاتفه.

واتصل بشخص لم يتحدث معه منذ سنوات.

وحين رد الطرف الآخر…

قال نادر بصوت منخفض:

“رجّعوا الشيخ سليمان… الليلة.”

ساد صمت قصير.

ثم جاءه الرد الذي جعل حتى نادر يتغير لون وجهه:

“الشيخ سليمان رجع فعلًا… وهو في طريقه إلى قصر الشافعي الآن، لأنه قال إن الوقت اللي كان خايف منه… أخيرًا جه.”

في تمام الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل…

توقفت سيارة سوداء قديمة أمام البوابة الحديدية لقصر الشافعي.

لم تكن فاخرة.

ولا تحيط بها سيارات حراسة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى