
لكن ما إن رآها أفراد الأمن…
حتى فتحوا البوابة دون أن يسألوا اسم صاحبها.
ترجل رجل تجاوز السبعين.
يرتدي جلبابًا رماديًا بسيطًا، وعصًا خشبية في يده.
شعره الأبيض كان مرتبًا بعناية، وعيناه تحملان هدوءًا غريبًا.
همس أحد الحراس للآخر:
“ده الشيخ سليمان…”
رد الثاني وهو يبتلع ريقه:
“آخر مرة دخل القصر كانت من عشرين سنة… يوم غياب الحاج فؤاد.”
في الداخل…
كانت سارة تجلس في إحدى غرف الضيوف.
أمامها كوب شاي ساخن لم تلمسه.
كل ما يشغلها…
هو كريم.
قالت للممرضة التي بقيت معها:
“أخويا وصل؟”
ابتسمت المرأة.
“لسه في الطريق.”
أطرقت سارة رأسها وهي تتمتم:
“يا رب يكون بخير.”
أما أدهم…
فكان ينتظر الشيخ سليمان في مكتبه.
دخل الشيخ دون استئذان.
نظر إلى أدهم طويلًا.
ثم قال:
“بقيت شبه أبوك… إلا في عينيك.”
أشار أدهم إلى المقعد.
“اتفضل.”
جلس الشيخ بهدوء.
لكن قبل أن يتكلم…
وضع على المكتب ظرفًا أصفر قديمًا، مختومًا بالشمع الأحمر.
قال:
“أبوك سلمني الظرف ده قبل ما يرحل.”
نظر أدهم إلى الظرف باستغراب.
“وليه مدتهوليش وقتها؟”
تنهد الشيخ.
“لأنه وصاني مايتفتحش إلا لما ترجع بنت ليلى للقصر بإرادتها.”
تجمد أدهم.
“تقصد… سارة؟”
أومأ الشيخ.
“أيوه.”
فتح أدهم الظرف ببطء.
وجد بداخله رسالة بخط والده.
بدأ يقرأ بصوت منخفض:
“يا أدهم… لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى السر اللي حاولت أدفنه سنين رجع من جديد.
ليلى ما كانتش مجرد خادمة… وكانت سارة ما هيش بنت عادية.”
توقف أدهم.
رفع رأسه إلى الشيخ.
“يعني إيه؟”
قال الشيخ بصوت هادئ:
“كمّل.”
عاد إلى الرسالة.
“أنا ارتكبت أكبر ذنب في حياتي… ظلمت إنسانة بريئة علشان أحمي العيلة. ولو البنت دي ظهرت تاني… هتعرف إن أكبر عدو للشافعيين عمره ما كان خارج العيلة… بل كان واحدًا منهم.”
ارتجفت يد أدهم.
في أسفل الرسالة…
كان هناك اسم واحد فقط.
“صلاح الشافعي.”
قطب أدهم حاجبيه.
“صلاح؟”
نظر إلى الشيخ.
“بس صلاح عمي… غاب من خمسة وعشرين سنة.”
هز الشيخ رأسه ببطء.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
“دي الكذبة اللي الكل صدقها.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أكمل الشيخ:
“صلاح الشافعي… ما غابش.”
وفي اللحظة نفسها…
دوّى صوت قوي هائل عند البوابة الرئيسية للقصر.
اهتزت الجدران.
وانطفأت الأنوار.
ثم دوّت صفارات الإنذار في كل أرجاء القصر.
اندفع طارق إلى المكتب وهو يصرخ:
“أدهم… القصر بيتعرض لدخول غير متوقع!”
لكن الشيخ سليمان لم يبدُ عليه أي ذعر.
بل أغلق عينيه للحظة وقال بهدوء:
“وصل…”
“مين؟” سأل أدهم.
فتح الشيخ عينيه، وقال بصوت منخفض:
“صلاح الشافعي… رجع يا أدهم.”
اهتز الزجاج في المكتب.
وتساقطت قطع الجبس من السقف.
في أقل من خمس ثوانٍ…
تحول قصر الشافعي من مكان للاحتفال إلى قلعة تستعد لمواجهة.
دوّت صفارات الإنذار.
وأُغلقت جميع البوابات الحديدية أوتوماتيكيًا.
أمسك طارق بأداته.
“كل الفرق على مواقعها! اقفلوا المداخل!”
جاء صوت أحد الحراس عبر جهاز الاتصال، وهو يلهث:
“باشا… الصوت القوي كان تمويه!”
قطب أدهم حاجبيه.
“يعني إيه؟”
“الداخلون ما دخلوش من البوابة… دخلوا من النفق القديم تحت مخزن النبيذ.”
اتسعت عينا الشيخ سليمان.
“لسه موجود؟”
نظر إليه أدهم باستغراب.
“إنت تعرف النفق؟”



