
صاح شريف بغضب:
— انتي متسرعة يا حبيبة، يلا بينا من هنا قبل الحراس بتوعه ما ييجوا، وادعي ربنا انه يكون غاب عن الوعي، لأنه لو عاش مش هيسبنا على وش الدنيا ولا حتى ليوم واحد.
إلا أنها تجاهلت حديثه وهي تقترب من عمر بأمل وهي جاثية تبكي وتقول بخوف:
— انت عايش مش كده.. أنا والله مكنش قصدي، مكنش قصدي صدقني..
ثم مسحت دموعها وهي تنظر إليه وتقول بارتعاش:
— استنى.. استنى متخافش.. أنا هساعدك.. أول حاجة.. أول حاجة أنا هربطلك الموضع ده علشان الأثر يوقف.
ثم نظرت حولها بارتباك تحاول إيجاد أي شيء تربط به موضعه النازف، إلا أنها لم تجد.
فقامت بخلع حجابها دون تردد ولفه حول رأسه تكتم به الأثر الغزير الذي يسيل من موضعه، وهي تبكي والأثر يغرق يدها الممسكة برأسه، حتى استطاعت السيطرة بصعوبة على سيلان الأثر الذي يخرج من موضعه.
وشريف يصرخ بها بغضب وهو يجذبها من يدها بقوة:
— بتعملي ايه يا متسرعة.. انتي أكيد مخك جراله حاجة.. قومي.. قومي هنروح في داهية.
إلا أن يده تسمرت وهو يشاهد جفون عمر التي ارتفعت بضعف وتركزت على وجه حبيبة الباكي لثواني معدودة، ثم أغلق عينيه وراح مرة أخرى في غيبوبة ثقيلة.
وشريف يصرخ بجنون هستيري:
— قومي يا غبية.. قومي.. ارتحتي أهو غاب عن الوعي وشاف وشك انتي كمان.. كده خلاص.. خلاص أنا وانتي انتهينا.
ثم جذبها بعيدًا وهي تحاول مقاومته، فأخذت تبكي قائلة:
— حتى لو فيها خطر.. مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف.
جذبها شريف للخارج بدون إرادتها وهو يرفع حقيبتها الملوثة بالأثر يحملها قائلًا بغضب:
— إسعاف إيه.. انتي اتجننتي.. يلا بينا هنروح في داهية.
دفعته حبيبة وهي تصرخ بغضب:
— انت إيه يا أخي؟ ده إنسان وهيتأثر لو سبناه.. أنا مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف، واللي يحصل.. يحصل.
تنهد شريف قائلًا بقلة حيلة:
— طيب تعالي.. تعالي نطلب الإسعاف من أي تليفون برا، لو اتصلنا من تليفوناتنا هيجيبونا عن طريقها بسهولة.
هزت حبيبة رأسها موافقة بتوتر وهي تستوعب حديثه:
— ماشي… في محل قريب من هنا أنا شوفته وأنا داخلة، نروح نتصل منه.
شريف بمهادنة:
— ماشي بس خلينا نخرج من هنا الأول.
تبعته حبيبة ودموعها تتساقط وهي تنظر بندم وحزن لجسد عمر الملقى أرضًا وهو بين الحياة والغيبوبة، وهي تشعر أنها مغيبة عن الواقع وكأنها تعيش كابوسًا بشعًا يمنع عنها الهواء، تسير على قدميها تتبع ابن عمها وهي تشعر بارتخاء عجيب وكأن روحها تصعد ببطء إلى السماء، حتى وجدت نفسها في الخارج وشريف يسحبها إلى إحدى السيارات القديمة والمركونة في شارع جانبي بعيدًا عن الأنظار، وهو يقوم بقيادة السيارة بعيدًا عن المكان.
نظرت حبيبة حولها برعب وهي تقول بغضب:
— واخدني ورايح على فين.. احنا مش اتفقنا هنطلب الإسعاف الأول.
شريف بغضب وحقد:
— اخرسي، كنت هتودينا في داهية.. إسعاف إيه اللي عاوزانا نطلبهوله.. ده أنا لو طولت أؤذيه ألف مرة هعمل كده..
حبيبة برعب:
— شريف انت اتجننت، الراجل لو سيبناه هيتأثر.
انطلقت ضحكة بشعة ساخرة من بين شفتيه:
— ما يتأثر وألا يروح في داهية.. زعلانة عليه ليه أوي كده.
نظرت له حبيبة بدون تصديق..
وقبل أن تعارضه ارتفع فجأة رنين هاتفه وسحبه وهو يقول بهدوء غريب وهو يبتسم:
— أيوه يا حياتي.. المهمة تمت زي ما كنا مخططين.. مبروك يا قلبي.
وضعت حبيبة يدها على فمها برعب وهي تستمع بذهول لضحكاته ترتفع وهو يتابع بهدوء:
— أهم حاجة متخليش حد من رجاله يروح عند العربية بتاعته دلوقتي.. لحد السر الإلهي ما يطلع ونرتاح كلنا..
ثم ارتفعت ضحكاته وهو يقول بتسلية:
— لا يا قلبي متخافيش، محدش شافنا، وكاميرات المراقبة كلها عطلانة، هكرتها قبل ما أدخل الجراج.. يعني كله في السليم.. أنا كده خلصت دوري.. دورك انتي بقى تبشريني انه خلاص غار في داهية.
ثم أغلق معها الهاتف وهو يبتسم بسعادة.
وحبيبة تنظر إليه قائلة بذهول ودموعها تتساقط دون إرادتها:
— يا مصيبتي السودا.. يا مصيبتي السودا.. هي دي مي اللي كانت بتكلمك وانت وهي كنتم مخططين لكل ده.. انت كنت مخطط تأذيه.. يعني مش لحظة اندفاع عشان اللي عمله فيك.
ضحك شريف بسخرية:
— تصدقي انك بسيطة وغير منتبهة.. لحظة اندفاع إيه اللي بتتكلمي عنها؟ وهي لو لحظة اندفاع زي ما بتقولي يبقى جبت الأداة منين….!
ثم ارتفعت ضحكاته عاليًا وهو يقول بمرح:
— إيه لقيته جنب الحيط مثلًا..!
حبيبة وهي تكاد تفقد الوعي من شدة الخوف:
— ولما انت ناوي تأذيه قولتلي على مكانك وعلى اللي هتعمله ليه.. مخفتش أفضحك..!!!!
شريف بمرح:
— بصراحة يا حبيبة ومتزعليش مني، انتي طيبة أوي.. طيبة بغباء، وأنا كنت محتاج حد زيك كده.. حد يثبت انه كان بيحاول يأذيني قبل ما أنا أأذيه، علشان يعني لو خطتي باظت واتكشفت ألاقي مخرج وألاقي حد يشهد معايا، طبعًا مفيش أحسن منك يقوم بالدور ده، بس انتي طلعتي جدعة ووفرتي عليا كتير وخلصتي عليه وريحتيني.
شعرت حبيبة بانسحاب الدم من وجهها وهي تقول بغضب:
— وانت إيه اللي مخليك متأكد كده اني مش هروح للبوليس دلوقتي وأبلغ عنك.
شريف بجدية:
— براحتك.. اعملي اللي انتي عوزاه.. أنا أمي هتشهد اني كنت معاها طول اليوم.. وإنك بتكرهينا وبتتبلي علينا علشان بتحبيني وأنا رفضت اتجوزك، علشان ولا مؤاخذة يعني تربية ملاجئ وعايشة لوحدك من غير راجل، يعني بالبلدي كده عايشة على حل شعرك.. وإنك كنتي على علاقة بالشخص اللي كان في الحادثة، اللي بالمناسبة الكل عارف انه عنده علاقات بعدد شعر راسه، يعني مش هيكون غريب عليه انه يكون ماشي مع واحدة زيك، انتقمت منه وأوقفته عنك بعد ما سابها وخطب واحدة تانية.. ومي روح قلبي هتأكد على كلامي، ها.. حلو السيناريو ده، ولا أعملك سيناريو تاني.
ثم ارتفعت ضحكاته تشق المكان بسخرية.
وحبيبة تتأمله بذهول ودموعها تتساقط وهي تستوعب كلامه القاسي.. والمصيبة التي وجدت نفسها متورطة بها.
الفصل الثاني




