
وقبل ما يسألها سؤال تاني ندى طلعت موبايلها القديم من شنطتها وقالت بتردد:
أنا مش عارفة إذا كان ده هيفيد حضرتك ولا لأ بس أنا احتفظت برسالة من المحاسب بعتها لي بالغلط من حوالي شهر.
أدهم مد إيده وأخد الموبايل وبص على الرسالة.
كانت رسالة قصيرة مكتوب فيها إن العمال لازم يمضوا على كشوف المرتبات بالقيمة الكاملة حتى لو استلموا أقل وإن أي حد يعترض يتم تسجيله كمتغيب عن العمل.
لكن اللي لفت نظر أدهم أكتر إن الرسالة كانت متبعتة من رقم المحاسب وبعدها بدقايق وصلت رسالة تانية من هالة نفسها بتقول فيها:
نفذ التعليمات ومحدش يعرف إن فيه فرق في الحسابات الورق لازم يفضل مظبوط لحد ما نخلص المراجعة السنوية.
أدهم رفع عينيه لندى وسألها:
إنتي وريتي الرسائل دي لحد قبل كده؟
ندى ردت بسرعة:
لا يا فندم أنا خفت أوي لما شفتها واحتفظت بيها بس علشان لو في يوم اتفصلت من شغلي يبقى عندي دليل إني مكنتش بكذب.
أدهم رجع الموبايل لها وقال:
متخافيش محدش هيقدر يضغط عليكي بسبب الكلام اللي قلتيه هنا.
ندى بدأت تعيط من غير صوت وكأنها لأول مرة من شهور تسمع حد بيقولها إنها مش مضطرة تواجه كل حاجة لوحدها.
لكن قبل ما أدهم يكمل كلامه باب المكتب اتفتح فجأة ودخل المحاسب المسؤول عن شركة النظافة من غير ما يخبط.
كان اسمه سامح ووشه متوتر بشكل واضح.
بص لندى وبعدين لأدهم وقال:
أنا لازم أتكلم مع حضرتك لوحدنا يا فندم في موضوع مهم جدا.
أدهم رد عليه ببرود:
أي حاجة تخص الحسابات تتقال قدام ندى لأنها صاحبة الشكوى.
سامح بلع ريقه وبص ناحية الباب كأنه قلقان يكون حد واقف بيسمعه.
وبعدين قال بصوت واطي:
يا فندم الموضوع مش مجرد خصومات مرتبات أنا اكتشفت من يومين إن فيه مبالغ كبيرة بتتحول لحساب شركة تانية باسم مختلف وكل التحويلات دي عليها توقيع رسمي من إدارة شركتنا.
أدهم وقف من مكانه فجأة:
شركة تانية إيه؟
سامح حط ملف صغير على المكتب وفتح أول صفحة:
الشركة دي بتاخد فلوس مقابل خدمات نظافة إحنا بندفع تمنها بالفعل لشركة تانية واسمها مش موجود في أي عقد رسمي عندنا.
أدهم بدأ يقلب في الأوراق بسرعة وكل صفحة كانت بتكشف رقم أكبر من اللي قبله.
لكن لما وصل لآخر صفحة اتجمد مكانه.
لأن الورقة الأخيرة كان عليها توقيع شخص يعرفه كويس جدا.
شخص بيثق فيه من سنين وكان بيعتبره أقرب الناس ليه في الشغل.
أدهم رفع عينيه لسامح وسأله بصوت هادي لكنه مخيف:
مين اللي مضى على التحويلات دي؟
سامح اتردد للحظات وبعدين قال الاسم اللي خلى أدهم يحس إن الأرض بتتهز من تحته:
هالة مضت على جزء من التحويلات يا فندم لكن التوقيع الأساسي اللي وافق على صرف المبالغ الكبيرة كان توقيع شخص من مجلس إدارة شركتكم.
أدهم بص للورقة مرة تانية ووشه اتغير تماما.
لأن التوقيع كان توقيع أخته منى.
أخته اللي مقاطعاه من شهور واللي كان فاكر إن كل خلافاتهم القديمة ملهاش علاقة بالشغل.
وفي اللحظة دي موبايله رن برسالة من رقم مجهول.
فتح الرسالة فلقى صورة لندى وهي خارجة من الشركة امبارح وبنتها على ضهرها وتحت الصورة جملة واحدة:
لو كملت في الموضوع ده البنت الصغيرة هتكون أول واحدة تدفع التمن.
أدهم رفع عينيه ناحية ندى اللي كانت قاعدة قدامه ومش فاهمة إيه اللي حصل.
ولأول مرة من سنين حس إن الموضوع مبقاش مجرد استحواذ غير سليم على أموال الشركة.
بقى فيه حد مستعد يضر أم وبنتها علشان يدفن الحقيقة.
والأخطر إن الشخص ده كان عارف كل خطوة أدهم بيعملها قبل ما يعملها.
يتبع في الجزء الثالث
أدهم الشناوي فضل باصص للرسالة اللي وصلته على الموبايل وهو حاسس إن فيه حد بيراقبه من أول لحظة بدأ فيها يراجع الحسابات.
الصورة كانت واضحة جدا ندى وهي خارجة من الشركة وبنتها الصغيرة على ضهرها وتحت الصورة رسالة ضاغطة مباشرة إن البنت هتكون أول واحدة تدفع التمن لو كمل في الموضوع.
رفع عينيه ناحية ندى اللي كانت قاعدة قدامه ومش فاهمة سبب تغير ملامحه.
قفل الموبايل وحطه في جيبه وبعدين قالها بهدوء:
ندى عايزك تسمعيني كويس من فضلك من اللحظة دي متتكلميش مع أي حد عن الرسائل اللي وريتهالي ولا عن الكلام اللي دار بينا هنا.
ندى وشها اصفر وقالت بقلق:
هو أنا عملت حاجة غلط يا فندم والله أنا كل اللي عملته إني احتفظت بالرسائل ومكنتش عايزة أظلم حد.
أدهم رد عليها بسرعة:
إنتي معملتيش أي حاجة غلط بالعكس إنتي ساعدتيني أعرف إن فيه حاجة كبيرة بتحصل جوه شركتي وأنا مش هسمح لحد يضغط عليكي أو يقرب من بنتك.
ندى بدأت تعيط وهي بتقول:
أنا مش قلقانة على نفسي يا فندم أنا كل خوفي على بنتي أنا ممكن أستحمل أي حاجة لكن لو بنتي جرالها حاجة أنا مش هقدر أعيش.
الكلام ده لمس حاجة جوا أدهم عمره ما كان بيحب يبينها قدام حد.
بص ناحية الشباك للحظات وبعدين رجع بصلها وقال:
بنتك مش هيحصلها حاجة وأنا بوعدك إن محدش هيقدر يستخدمها علشان يضغط عليكي.
طلب من السكرتيرة تدخل وتجيب موظف الأمن المسؤول عن كاميرات المراقبة وطلب منها كمان توفر لندى مكان آمن تقعد فيه هي وبنتها لحد ما يعرف مين اللي بعت الرسالة.
وبعدها طلب من سامح المحاسب يفضل في المكتب ويقفل الباب كويس.
أدهم حط الورقة اللي عليها توقيع أخته منى قدامه وقال:
أنا عايز أعرف كل حاجة عن التحويلات دي من أول يوم بدأت فيه ومش عايز أي معلومة ناقصة.
سامح كان متوتر وبيمسح العرق من على جبينه وقال:
حاضر يا فندم بس فيه حاجة لازم حضرتك تعرفها قبل ما نكمل.
أدهم بصله بتركيز:
قول.
سامح أخد نفس طويل وقال:
التحويلات بدأت من حوالي سنة ونص وكل شهر كان بيتحول مبلغ لشركة اسمها الأفق للخدمات الإدارية والغريب إن الشركة دي مفيش ليها عمال نظافة ولا حتى مقر معروف في القاهرة.
أدهم سأله:
طيب إزاي الفواتير كانت بتتوافق عليها؟
سامح فتح الملف وطلع مجموعة أوراق:
كل فاتورة كانت بتتقدم على إنها خدمات إضافية وإدارة المشتريات كانت بتعتمدها وبعدها كانت بتوصل لمكتب مجلس الإدارة علشان التوقيع النهائي.
أدهم قلب في الورق وبدأ يجمع الأرقام في دماغه.
المبالغ كانت بتزيد كل شهر لحد ما وصلت لمئات الآلاف وفيه تحويلات اتعملت على دفعات كبيرة من غير أي مستندات تثبت إن الخدمات دي اتنفذت فعلا.
أدهم سأله بحدة:
ومين صاحب شركة الأفق؟
سامح هز راسه وقال:
دي المشكلة يا فندم الاسم الموجود في السجل التجاري شخص اسمه ممدوح فوزي لكن لما حاولت أوصل له اكتشفت إنه مجرد اسم مستخدم في الورق وإن فيه حد تاني هو اللي بيدير كل حاجة.
أدهم سكت للحظات وبعدين سأل:
ومين الحد ده؟
سامح بص ناحية الباب قبل ما يرد:
مش عارف يا فندم بس فيه تحويلات كانت بتطلع من حساب الشركة بعد ما الموافقات تتوقع بساعات وبتروح لحسابات تانية بأسماء مختلفة.
أدهم قفل الملف وقال:
خلاص من اللحظة دي مفيش أي تحويل مالي هيتم من غير مراجعة مباشرة مني ومحدش يعرف إننا بنحقق في الموضوع غير الأشخاص اللي موجودين في الأوضة دي.
بعدها طلب من سامح يخرج ويرجع لمكتبه ويتصرف بشكل طبيعي كأن مفيش أي حاجة حصلت.
وبمجرد ما الباب اتقفل أدهم اتصل بمدير الأمن وطلب منه يراجع تسجيلات الكاميرات الخاصة بالممر اللي موجود فيه مكتبه من الليلة اللي فاتت لحد الصبح.
وبعد حوالي عشرين دقيقة وصلته أول نتيجة.
الكاميرات سجلت هالة وهي واقفة قدام مكتبه قبل وصول أدهم بساعة تقريبا وبتتكلم في التليفون بصوت متوتر.
ولما مدير الأمن قرب من التسجيل ورفع مستوى الصوت ظهرت جملة خلت أدهم يطلب منه يعيد المقطع تاني.
هالة كانت بتقول:
أنا قلتلك إن الموضوع اتكشف وإن أدهم طلب كل العقود لو الورق الأصلي ظهر إحنا كلنا هنضيع لازم نتصرف قبل ما يوصل للملف القديم.
أدهم وقف التسجيل وسأل مدير الأمن:
الملف القديم ده إيه؟
مدير الأمن رد عليه:
معرفش يا فندم بس فيه حاجة تانية حضرتك لازم تشوفها.
شغل مقطع تاني من الكاميرا اللي عند المصعد وظهر فيه شخص خارج من مكتب هالة قبل ما أدهم يوصل الشركة بدقايق.
الشخص ده كان لابس بدلة غامقة وماسك ظرف بني كبير ولما رفع وشه ناحية الكاميرا أدهم حس بصدمة شديدة.
لأنه كان عارف الشخص ده كويس جدا.
كان شريف مدير الشؤون المالية في شركته وأقدم شخص بيثق فيه بعد أخته منى.
أدهم طلب من مدير الأمن ميبلغش حد بالمقطع ويسيبه يخرج من الشركة بشكل طبيعي.
وبعدها بدقايق اتصل بأخته منى.
أول ما ردت عليه قالها:
منى أنا محتاج أشوفك النهارده في موضوع يخص الشركة.
صوتها جه هادي بشكل غريب:
خير يا أدهم فيه إيه؟
قالها:
مش هينفع نتكلم في التليفون عايزك تيجي المكتب الساعة ستة.
سكتت شوية وبعدين قالت:
حاضر هاجي.
لكن قبل ما تقفل الخط سمعها بتسأله سؤال غريب:
إنت لسه بتراجع عقود النظافة يا أدهم؟
أدهم اتجمد مكانه.
هو مكنش قالها إنه بيراجع العقود ولا حتى لمح قدامها إنه اكتشف التحويلات.
سألها بهدوء:
عرفتي منين؟
منى سكتت للحظات وبعدين قالت:
هالة كلمتني الصبح وقالتلي إن فيه مشكلة في العقود وإنك طلبت تراجعها بنفسك.
أدهم أنهى المكالمة وهو متأكد إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
لأن أخته كانت عارفة بالتفاصيل قبل ما هو نفسه يعرف حجم المشكلة.
وفي نفس الوقت كانت ندى قاعدة في أوضة الاستراحة بتحاول تطمن بنتها اللي صحيت وبدأت تعيط.
شالتها من الحمالة وقعدت تضمها لصدرها وتهمس لها:
معلش يا حبيبتي أنا عارفة إنك جعانة بس استحملي شوية وأنا هتصرف.
واحدة من زميلاتها سمعت الكلام ده وراحت جابتلها سندوتش وكوباية لبن من الأكل اللي كان موجود في الاستراحة.
ندى رفضت في الأول لكنها لما شافت بنتها بتبص للأكل مدت إيدها وأخدت السندوتش وبدأت تأكل بنتها قبل ما تاكل هي.
أدهم كان معدي من قدام الأوضة بالصدفة وشاف المشهد من بعيد.
وقف للحظة وافتكر السندوتش اللي ندى رجعته في شنطتها امبارح من غير ما تاكل منه.
وفجأة حس بالخجل من نفسه.
إزاي كان بيدير شركة فيها أكتر من 600 موظف ومكنش يعرف إن فيه ناس بتشتغل عنده مش لاقية تمن الأكل لبناتها.
رجع مكتبه واتصل بإدارة الموارد البشرية وطلب مراجعة أجور كل عمال النظافة وصرف أي مستحقات متأخرة بعد التأكد منها ومن غير ما يستنوا نتيجة التحقيق النهائي في التحويلات.
لكن قبل ما يخلص المكالمة دخلت السكرتيرة بسرعة ووشها مليان قلق:
أستاذ أدهم فيه ظرف اتبعت لحضرتك من غير اسم المرسل والأمن لقاه قدام باب المكتب.
أدهم فتح الظرف ولقى جواه صورة قديمة ليه هو وأخته منى واقفين جنب أبوهم قدام الشركة يوم افتتاحها.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط واضح:
لو عايز تعرف مين تلاعب بأموالك اسأل أختك عن اللي حصل ليلة غياب أبوك.
أدهم حس إن قلبه وقف للحظة.
غياب أبوه كان من سبع سنين وفي اليوم ده حصل خلاف كبير بينه وبين منى بعد ما اكتشفوا إن فيه مستندات مالية اختفت من مكتب والدهم.
من وقتها كل واحد فيهم اتهم التاني إنه السبب في ضياع جزء من ميراثهم لكن محدش قدر يثبت أي حاجة.
أدهم كان فاكر إن الموضوع انتهى من سنين وإن خلافه مع أخته ملوش علاقة بالشركة.




