منوعات

فضلت بصه للصوره الا وصلتني

سألتها بقلق:

“حاجات إيه؟”

قالت:

“فيه مستندات ودفاتر حسابات تثبت إنه كان بيحول فلوس من الشركة لحسابه الشخصي، وبيستخدم جزء منها في تسديد التزاماته.”

حسيت إن الموضوع بقى أكبر بكتير من اللي تخيلته.

داليا قالت:

“أنا معايا نسخة من كشف حساب قديم، وورقة عليها توقيع رائد. الورقة دي ممكن تثبت كل حاجة.”

وافقت أقابلها.

وفي اليوم المحدد رحت للمكان اللي اتفقنا عليه.

لقيتها قاعدة في آخر الكافيه، وشكلها مرهق وعينيها مليانة قلق.

أول ما شافتني قامت وقالت:

“أنا عارفة إنك مش طايقاني، بس صدقيني أنا مكنتش أعرف إنك موجودة في حياته بالطريقة دي.”

قلتلها:

“أنا مش جاية ألومك. أنا عايزة أعرف الحقيقة.”

طلعت من شنطتها ظرف أبيض وادتهولي.

فتحته ولقيت كشف حساب وتحويلات مالية وأوراق عليها توقيعات مختلفة.

لكن فيه ورقة واحدة خلت إيدي تتجمد.

كانت صورة عقد بيع الشقة بتاعتي، وفي آخر الصفحة توقيع شاهد.

قربت الورقة من عيني وقرأت الاسم.

كان اسم أبويا!

رفعت عيني لداليا وقلت بصدمة:

“إيه ده؟! إزاي اسم أبويا موجود على عقد بيع شقتي؟!”

داليا ردت بسرعة:

“أنا معرفش التفاصيل كلها، بس رائد قالي إن والدك كان عارف بالموضوع وموافق.”

حسيت إن الدنيا اسودت قدامي.

أبويا؟!

الراجل اللي علمني أحافظ على حقي، وفضل واقف جنبي طول عمري؟

إزاي اسمه موجود في الورق ده؟

قبل ما أقدر أتكلم، رن موبايلي.

كان اتصال من أبويا.

رديت بصوت مرتعش:

“أيوه يا بابا.”

قال بسرعة:

“مريم، إنتِ فين؟ لازم تيجي البيت حالاً.”

سألته:

“فيه إيه يا بابا؟”

سكت ثواني وبعدين قال جملة خلتني أحس إن كل اللي فات كان مجرد بداية:

“رائد جه عندي من شوية، ومعاه ورقة بيقول إنها تثبت إنك وافقتي تبيعي الشقة من سنة… وفيه حاجة لازم تعرفيها عن الفلوس اللي دفعتها لك يوم ما خلصتي آخر قسط.”

قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتنفس.

بصيت لداليا وسألتها:

“إنتِ متأكدة إن دي كل الأوراق اللي معاكي؟”

هزت راسها وقالت:

“لأ يا مريم. فيه نسخة أصلية من العقد عند رائد نفسه.”

قمت من مكاني بسرعة وخرجت من الكافيه، وأنا مش عارفة أصدق مين ولا أواجه مين.

لأن السؤال اللي بقى بيطاردني مش بس إزاي جوزي تلاعب في إمضتي…

السؤال كان: إيه علاقة أبويا بكل اللي بيحصل؟ وهل فعلاً كان عارف إن شقتي ممكن تضيع مني؟

ولما وصلت بيت أبويا وفتحت الباب، لقيته قاعد في الصالة، وقدامه رائد والورقة اللي كنت لسه شايفاها في إيد داليا.

لكن المفاجأة كانت إن أبويا أول ما شافني قام من مكانه وطلع من جيبه مفتاح صغير وقال:

“قبل ما تسمعي أي كلمة من رائد، لازم أوريكي حاجة مخبيها عنك من سبع سنين… حاجة لو عرفتيها هتفهمي ليه الشقة دي بالذات كانت هدفه من البداية.”

وقفت قدام أبويا وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، وبصيت للمفتاح اللي في إيده وسألته بصوت مرتعش:

“إيه المفتاح ده يا بابا؟ وإيه اللي إنت مخبيه عني من سبع سنين؟”

أبويا بص لرائد بنظرة غضب وقال:

“أنا كنت مستني اليوم اللي الراجل ده يبان على حقيقته.”

رائد قام من مكانه بسرعة وقال:

“عمي، لو سمحت، بلاش نكبر الموضوع أكتر من كده.”

أبويا رد عليه بقوة:

“إنت آخر واحد يتكلم عن تكبير المواضيع. إنت دخلت بيتي وطلبت إيد بنتي، وأنا ائتمنتك عليها، وفي الآخر طلعت عايز تاخد تعب عمرها!”

بصيت لأبويا وقلت:

“بابا، أنا مش فاهمة حاجة. ممكن حد يفهمني؟”

أبويا أخد نفس طويل وقال:

“فاكرة لما اشتريتي الشقة من سبع سنين؟”

هزيت راسي.

كمل:

“ساعتها أنا كنت مشارك في شراء العقار مع صاحبه القديم بمبلغ كبير، وبعد ما اتفقنا إن كل واحد ياخد نصيبه، حصلت مشاكل بينا. صاحب العقار قرر يبيع الشقق كلها، وأنا تنازلت عن نصيبي في الشقة دي عشان تشتريها إنتِ بسعر أقل، وتكون ملكك لوحدك.”

بصيتله باستغراب وقلت:

“أنا فاكرة إنك ساعدتني بمبلغ صغير وقتها.”

ابتسم بحزن وقال:

“المبلغ اللي إنتِ فاكرة إنه مساعدة كان في الحقيقة جزء من نصيبي اللي تنازلت عنه عشان حلمك يتحقق. لكن أنا عمري ما اعتبرت الشقة دي بتاعتي. إنتِ اللي دفعتي أقساطها وتعبتي عشانها.”

وبعدين طلع ورقة قديمة من الملف وقال:

“لكن فيه حاجة تانية. صاحب العقار القديم كان كاتب شرط في عقد البيع إن أي تصرف في الشقة لازم يكون بموجب توكيل رسمي موثق من المالكة نفسها. ورائد حاول يستخدم الورق غير الصحيح عشان يتجاوز الشرط ده.”

بصيت لرائد وقلت:

“يعني إنت كنت عارف إن البيع مش هيتم بسهولة؟”

رد بتوتر:

“أنا كنت بحاول ألاقي حل للالتزامات.”

أبويا ضرب بإيده على الترابيزة وقال:

“حل؟! ده اسمه تلاعب واستغلال يا رائد!”

رائد نزل راسه ومتكلمش.

أبويا قرب مني واداني المفتاح وقال:

“ده مفتاح خزنة صغيرة في مكتبي. فيها نسخة من عقد الشقة الأصلي، وكل الإيصالات اللي تثبت إنك دفعتي الأقساط من حسابك. كنت محتفظ بيهم عشان لو احتجتيهم في أي وقت.”

أخدت المفتاح وأنا دموعي نازلة.

لكن قبل ما أتكلم، رائد وقف وقال:

“مريم، أنا عارف إني غلطت، بس إنتِ لازم تفهمي إني كنت غرقان في الالتزامات، ومكنش قدامي حد يساعدني.”

بصيتله وقلت:

“وأنا؟ أنا مكنتش مراتك؟ ليه مجيتش قلتلي إنك في مشكلة؟ ليه اخترت تاخد حقي بدل ما تطلب مني المساعدة؟”

رد بصوت مكسور:

“كنت خايف أخسرك.”

قلتله:

“إنت خسرتني من أول يوم قررت فيه إن حقي مباح ليك.”

في اللحظة دي أبويا فتح الباب وقال:

“اتفضل يا رائد. الكلام انتهى.”

خرج رائد وهو مش قادر يبص في عيني.

لكن أنا كنت لسه محتاجة أعرف الحقيقة كاملة.

تاني يوم اتصلت بالمحامي وطلبت منه يبدأ كل الإجراءات القانونية اللازمة لحماية الشقة، وتقديم بلاغ بخصوص التلاعب في المستندات ومحاولة التصرف في ملك مش من حقه.

وبعد مراجعة المستندات اتضح إن عقد البيع اللي قدمه رائد مفيش عليه أي توقيع صحيح مني، وإن الإجراءات اللي حاول يعملها كانت غير مكتملة.

أما طلب التمويل فكان لسه تحت المراجعة بسبب وجود مستندات مشكوك في صحتها.

المحامي كمان طلب فحص التوقيعات ومراجعة مصدر الأوراق اللي استخدمها رائد.

بعد أيام بدأت الحقيقة تظهر واحدة ورا التانية.

اكتشفنا إن رائد كان بيستلف مبالغ كبيرة من أكتر من شخص بحجة إنه داخل مشروع تجاري مربح، وإنه هيقدر يرجع الفلوس في وقت قصير.

لكن المشروع فشل، وهو حاول يغطي الخسارة بالتزامات جديدة.

وكان بيحول جزء من الفلوس لداليا بحجة مصاريف بنته ليان، بينما جزء تاني كان بيستخدمه في تسديد التزامات قديمة.

أما الشقة اللي كان مأجرها في التجمع، فكانت جزء من محاولته يخفي بيه بعض تعاملاته المالية بعيد عن البيت.

داليا قدمت المستندات اللي معاها للمحامي، وأكدت إنها مكنتش تعرف إن رائد بيستخدم اسمها في بعض التحويلات.

وبعد فترة بدأت إجراءات التحقيق الرسمية.

وفي وسط كل ده وصلتني رسالة من حماتي:

“يا مريم، أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس عايزاكي تسامحي رائد عشان خاطري. ده ابني، ومش مستحملة أشوفه في المشاكل دي.”

قريت الرسالة وقفلت الموبايل.

بعدها بدقايق وصلت رسالة تانية منها:

“وبعدين إنتِ مش محتاجة الشقة دي زي ما هو محتاجها. إنتِ عندك شغل ومرتب، وجوزك المفروض يكون أولى بالمساعدة.”

المرة دي مردتش عليها خالص.

لأن المشكلة مكنتش في الشقة ولا في الفلوس.

المشكلة إن الناس اللي المفروض يكونوا أمانك، هما نفسهم اللي بيحاولوا يستغلوا ثقتك.

بعد أسبوعين رجعت لشقتي في مدينة نصر.

وقفت قدام الباب وفتحت القفل بإيدي.

دخلت الصالة وبصيت حواليّا.

نفس الحيطان ونفس البلكونة ونفس المكان اللي فضلت أحلم بيه سنين.

افتكرت يوم ما قعدت على الأرض وعيطت من الفرحة لما خلصت آخر قسط.

وقتها فهمت إن الشقة دي مش مجرد أربع حيطان.

دي سنين من عمري وتعب وإصرار وكرامة.

اتصلت بالسمسارة وطلبت منها توقف أي إجراءات تأجير مؤقتاً، لحد ما أرتب حياتي من جديد.

وبعدها اتصلت بأبويا وقلتله:

“أنا رجعت بيتي يا بابا.”

ضحك وقال:

“ربنا يعوض قلبك يا بنتي، ويكتبلك الخير.”

أما رائد فحاول يتواصل معايا أكتر من مرة.

بعت رسائل طويلة مليانة اعتذارات ووعود إنه اتغير وإنه مستعد يبدأ من جديد.

وفي يوم جه لحد باب الشقة.

فتحت الباب ووقفت قدامه من غير ما أدخله.

كان شكله متغير، وخسر جزء كبير من وزنه، ووشه باين عليه التعب.

قال بصوت هادي:

“مريم، أنا عارف إني مش مستحق إنك تسمعيني، بس اديني فرصة أخيرة.”

بصيتله وقلت:

“اتفضل اتكلم.”

قال:

“أنا غلطت في حقك، وكنت أناني، وخوفت أقولك على الالتزامات وعلى داليا وبنتي. كنت فاكر إني أقدر أسيطر على كل حاجة لوحدي.”

سألته:

“ولما كنت بتخطط تبيع شقتي، كنت بتفكر فيا؟”

سكت.

قلتله:

“ولما أمك كانت بتطلب مني أسيب بيتي عشان هي تعيش فيه، كنت شايفني إزاي؟”

قال:

“أنا آسف.”

رديت:

“الاعتذار مش هيرجع الثقة اللي اتكسرت، ولا هيمسح اللي عملته. أنا مش هقدر أكمل معاك.”

نزل عينه وقال:

“يعني خلاص؟”

قلتله:

“خلاص يا رائد. أنا مش هفضل أدفع تمن أخطاء حد تاني.”

مشي من غير ما يقول كلمة.

وبعد فترة بدأت إجراءات الطلاق بشكل رسمي، وانتهت العلاقة بينا بعد ما أخدت حقوقي القانونية.

أما حماتي فحاولت تتصل بيا أكتر من مرة، لكني فضلت محافظة على مسافة بيني وبينها.

مكنتش عايزة انتقم منها ولا أؤذيها، لكني ببساطة مكنتش مستعدة أرجع لنفس الدائرة تاني.

وداليا بدأت ترتب حياتها هي كمان بعيد عن رائد، واهتمت ببنتها ليان.

وفي يوم قابلتها بالصدفة قدام مكتب المحامي، وكانت معاها الصغيرة.

البنت كانت ماسكة لعبة صغيرة وبتضحك.

داليا بصتلي وقالت:

“أنا عارفة إن اللي حصل كان صعب عليكي، وأنا آسفة.”

بصيت للبنت وقلت:

“ربنا يحميها ويصلح حالها. هي ملهاش ذنب في أي حاجة حصلت.”

ابتسمت داليا بحزن ومشيت.

بعد شهور رجعت لحياتي وشغلي، وبدأت أهتم بنفسي من جديد.

أجرت شقتي بعقد قانوني واضح لمستأجرين محترمين، واحتفظت بكل المستندات في مكان آمن.

وبقيت كل شهر لما الإيجار ينزل في حسابي، أفتكر إن الـ15 ألف جنيه دول مش مجرد دخل إضافي.

دول رمز لتعب سنين محدش كان من حقه ياخده مني.

وفي يوم كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي، وأبويا قاعد جنبي.

بصلي وقال:

“عارفة يا مريم، أنا كنت خايف عليكي من الجواز ده من أول يوم.”

ضحكت وقلت:

“ليه يا بابا؟”

قال:

“مش عشان رائد كان وحش من البداية، لكن عشان كنت شايفك بتتنازلي عن حاجات صغيرة كتير عشان ترضيه، وكنت خايف تيجي لحظة تلاقي نفسك اتنازلتي عن كل حاجة.”

بصيتله وقلت:

“يمكن أنا اتعلمت الدرس متأخر.”

مسك إيدي وقال:

“المهم إنك اتعلمتي قبل ما تخسري نفسك.”

ابتسمت وأنا ببص للشارع من البلكونة.

كنت فاكرة إن أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان إنه يخسر بيته.

لكن اكتشفت إن الأصعب بكتير إنه يعيش في بيت مع شخص المفروض يكون أمانه، وهو مش عارف إنه بيخطط ياخد منه كل حاجة.

ومن يومها بقيت مؤمنة إن الحب عمره ما كان معناه إنك تتنازل عن حقوقك، ولا إنك تسكت عن الغلط عشان تحافظ على شكل البيت قدام الناس.

البيت الحقيقي مش الحيطان ولا الأثاث ولا عقد الملكية.

البيت الحقيقي هو المكان اللي تحس فيه بالأمان، من غير ما تخاف إن أقرب الناس ليك يطمع في تعب عمرك.

والدرس اللي اتعلمته مريم كان بسيط، لكنه غالي:

متخليش حد يقنعك إن حفاظك على حقك أنانية، وإن تنازلك عن تعب سنينك دليل حب.

اللي بيحبك بجد عمره ما هيطلب منك تخسر نفسك عشان يثبت إنه مهم في حياتك.

تمت الحكاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى